طلال الحمود
إعلامي وكاتب سعودي، رئيس تحرير الأخبار الرياضية في قناة العربية.
TT

ترمبية رئيس «فيفا»

استمع إلى المقالة

تراجع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو عن مشروع تأسيس شركة تتولى إدارة الحقوق التجارية لبطولاته، واختار أن يجنح إلى السلم، بعدم الدخول إلى معركة كسر عظم مع منظومة اللعبة في أوروبا، ولم يكن الرجل المغرم بالتجربة الأميركية يتوقع أن يتصدى العالم بشراسة لفكرته القائمة على تضخيم عائدات «فيفا» المالية، تمهيداً لزيادة الإنفاق على الاتحادات الوطنية وتطوير البطولات العالمية.

وجاءت المعارضة الأشد للمشروع من الاتحاد الأوروبي الذي يخشى أن تفقد بطولاته أهميتها أمام مد «فيفا» المدعوم بمليارات الدولارات وسطوة أقوى صناديق الاستثمار في العالم، فضلاً عن الخشية من تحكم المستثمرين في شكل المنافسات العالمية وأماكن إقامتها، بحثاً عن تحقيق الأرباح على حساب نصيب أوروبا من كعكة عائدات كرة القدم، خاصة أن الاتحاد الدولي يهدف من هذا المشروع إلى توسيع نشاطه بإقامة مزيد من البطولات للزحف على روزنامة المنافسات في القارة الزرقاء، تمهيداً لابتلاعها بقوة المال والنفوذ.

ومع أن فكرة المشروع التجاري الذي حاول إنفانتينو فرضه على العالم، تحمل فائدة أكبر للاتحادات الوطنية، وللدول الشريكة في استضافة منافسات «فيفا»، فإنها في المقابل تعني تحجيم الاتحادات القارية وإضعاف إيراداتها، وبالتالي تحويلها إلى مكاتب للتنسيق مهمتها الإشراف على تصفيات المنافسات العالمية، بالإضافة إلى تنظيم بطولات محدودة لا تحظى بجاذبية للجماهير والرعاة، قياساً على بطولات «فيفا» التي ستصبح أقوى بفعل الفكرة الجديدة.

واستدعت التأثيرات الاقتصادية المحتملة لمشروع إنفانتينو دخول رئيس وزراء بريطانيا أندي بيرنهام على الخط للمطالبة بإبعاد جياني إنفانتينو عن رئاسة الاتحاد الدولي، وإعلانه تأييد الاتحاد الأوروبي في رفض الفكرة، كما انضمت المفوضية الأوروبية إلى حملة التصدي للمشروع من خلال التلويح بقوانين المنافسة والحوكمة، في رسالة إلى «فيفا» مفادها أن اختراق القارة سيواجه بإجراءات تحمي صناعة كرة القدم فيها، وربما تؤدي إلى نسف الشراكة والإضرار بمصالح الاتحاد الدولي.

واللافت أن الخطاب الأوروبي حاول دغدغة مشاعر الجماهير من خلال استخدام عبارات تؤكد أن كرة القدم إرث ثقافي واجتماعي، وأنها ملك للمشجع الذي سيتحول بفعل هذه الفكرة من عنصر شريك في اللعبة إلى زبون، ولم يتطرق مسؤولو الاتحاد الأوروبي صراحة إلى مخاوفهم الحقيقية ونظرتهم إلى المشروع الجديد من زاوية اقتصادية، خاصة أنهم أول من قام بتحويل جمهور المستديرة إلى مستهلك، من خلال تضخيم عائدات حقوق البث وزيادة أسعار التذاكر، إضافة إلى توسيع البطولات القارية لرفع عدد المباريات على حساب استمتاع المشجعين بمنافسات أقوى.

ومهما يكن المشروع وفائدته لكرة القدم، فإن إنفانتينو بشخصيته «الترمبية» الجديدة، منح الأغلبية فرصة لرفض مقترحه حين اختار فرض ما يفكر به دون تمهيد أو تشاور مع الاتحادات القارية، ما قاد كيانات قارية إلى الاعتراض سريعاً بحجة عدم علمها مسبقاً بالمشروع التجاري، ومنها الاتحاد الآسيوي الذي اتخذ قراراً سريعاً يكشف أن مسؤوليه لم يبحثوا أصلاً مضمون الفكرة، ولم يناقشوا فائدتها المحتملة لإنقاذ اتحادهم المتعثر منذ سنوات.