عانت بطولات كأس الخليج خلال النسخ الأخيرة من تراجع شعبيتها وسط عدم إقبال من الجماهير على حضور مبارياتها، قياساً على أهمية البطولة سابقاً وقدرتها على الاستئثار بالأضواء وجلب المشجعين والإعلام إلى منافساتها، وباتت هذه الحال تهدد استمرارها بعدما قاومت التغيير طويلاً وتمسكت بشكلها الكلاسيكي القديم، حتى فقدت بريقها وتحولت إلى مناسبة ثقيلة على الاتحادات الوطنية ومصدر إزعاج لروابط دوري المحترفين في أكثر الدول المشاركة.
وبرهنت النسخة الحالية المقامة في جدة على أن الاتحاد الخليجي بحاجة إلى مراجعة حساباته وفتح الباب أمام التغيير لإنعاش البطولة، خصوصاً أن الاستفادة من إمكانات الدول المستضيفة شبه معدومة، بعدما فشل المنظمون في تسخير الملاعب العالمية والبنية التحتية المتطورة، لصالح التنظيم وإدارة منافسات يمكنها أن تجذب الجماهير التي اعتادت على مشاهدة مباريات محلية بين الأندية تفوق مستوى هذه المباريات الدولية، مما يجعل التغيير يتطلب مراجعة الفكرة والتخلي عن قناعة القائمة المغلقة للمنتخبات المشاركة منذ انضمام منتخب اليمن قبل 23 عاماً.
ومع تطور البطولات الإقليمية والقارية وانفتاحها على مشاركة منتخبات من خارج أعضاء الاتحادات المنظمة، بقي الاتحاد الخليجي صامداً أمام رياح التغيير، حتى بلغ الأمر عزوف بعض الدول عن طلب استضافة البطولة العريقة، علماً بأن اتحادات مثل الكويت والسعودية والعراق، تدخلت أكثر من مرة لاستضافة المنافسات من باب الوفاء لهذا الإرث، وحفاظاً على عدم توقف كأس الخليج إلى الأبد، وغالباً لن تستمر الاتحادات الوطنية طويلاً في تحمل أعباء هذه المناسبة التي باتت بلا مردود مالي يساعد على استمرارها، وكما أُقيمت بطولة كوبا أميركا بمشاركة منتخبات مثل أميركا واليابان وقطر، ومثلها منافسات الكأس الذهبية التي شاركت فيها السعودية، بات من المهم تخصيص أربع مقاعد لدعوة فرق من آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية للمشاركة في البطولة، من أجل رفع مستوى المباريات وإعطاء الدورة أهمية يمكنها جذب المشجعين والشركات الراعية.
ويبدو أن كأس الخليج تسير نحو المصير الذي واجهته أقدم بطولات العالم، حين توقفت بطولة الجزر البريطانية بعد 100 عام من الأضواء والشعبية، لأسباب لا تختلف كثيراً عمّا تواجهه المسابقة الخليجية في السنوات الأخيرة، إذ تراجع الإقبال الجماهيري والتجاري وانحسر الاهتمام عن المناسبة البريطانية مع ظهور منافسات أوروبية وعالمية أقوى وأكثر جدوى، فضلاً عن ازدحام الأجندة القارية وعدم رغبة إنجلترا واسكوتلندا في اللعب ضد منتخبات الجزر للحفاظ على حضورهما في المناسبات الكبرى.
ويبقى إغلاق الباب أمام التغيير والتطوير خطراً يهدد استمرار كأس الخليج، لا يوازيه إلا خطر ما يمكن أن تُلحقه التغييرات العشوائية من ضرر في حال الاستعانة بمنتخبات لا يمكن أن تقدم فائدة فنية أو تجارية أو إعلامية للبطولة، وبينما تتجه الهيئات المسؤولة عن كرة القدم في العالم إلى انتهاج سياسة ربحية للاستحواذ على نسبة كبيرة من أسواق اللعبة، بات الاتحاد الخليجي أمام تحدٍّ يتطلب نهجاً يواكب الطرق الحديثة في الإدارة والتنظيم، بعيداً عن القناعات التي تجاوزها الزمن ولم تعد تصلح للتعاطي مع عالم اللعبة الشعبية الأولى.
