مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

النظر من عَلٍ للمعضلة الإيرانية

استمع إلى المقالة

القصة كبيرة والحكاية عظيمة والمسألة هي أم المسائل، هذه الحرب الجارية اليوم بسبب إيران الخمينية، ليست حرباً كسائر الحروب، أو أزمة مثل الأزمات السابقة، بل هي صراعٌ بين إرادات تريد رسم عالمٍ جديد، ومن هذا المنظور يجب علينا نحن أن نرى المسألة.

ليست أزمة مضيق يُفتح اليوم ويغلق غداً، ثم يُفتح بعد غدٍ، وليست أزمة برنامج صواريخ باليستية أو مُسيّرات، وليست أزمة ميليشيات خارجية، وليست حتى أزمة سلاح نووي، هذه الأمور ليست سوى تجليّات للدافع الحقيقي، وهو سعي النظام الإيراني لفرض إرادته ورؤيته على المنطقة بل على العالم كله.

لذلك؛ يجب النظر من عَلٍ لهذه المعضلة، ولهذا رغبتُ أن اتابع معكم رأي اثنين من كبار الكتاب والباحثين الإيرانيين خارج إيران.

الأول هو الدكتور ولي نصر الأميركي - الإيراني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكنز، الذي كتب في صحيفة «فايننشال تايمز» أن عودة أميركا وإيران إلى الحرب لا ترجع إلى سوء فهم مذكرة التفاهم، بل إلى أنها قامت على تثبيت ميزان القوى وقت توقيعها؛ وهو ميزان سعت واشنطن لتغييره، بينما تمسكت طهران بالحفاظ عليه.

وترجمة ذلك أن إيران - وفق نصر - فهمت التفاهم على أنه نصرٌ لها وتسليم أميركي بنفوذها. لذلك غضب قادة إيران مما عدّوه «خيانة» لهذا النصر المزعوم، مثل عدم ردع أميركا لإسرائيل في لبنان، وعدم تسليم الأموال لطهران، وعدم التسليم بسيادتها على هرمز، واستمرار وصول السلاح والمعدّات العسكرية للخليج والأردن.

كل هذا - وفق نصر - أظهر محاولة أميركية لتقويض النفوذ الذي اكتسبته إيران خلال الحرب...

حسناً... والحلّ يا دكتور نصر؟!

التسليم بالرؤية الإيرانية يعني؟!

أما أمير طاهري الصحافي والكاتب الإيراني الخبير، فكان أكثر وضوحاً، ونقد الخلل في الرؤية الأميركية لطبيعة الخطر الإيراني، وإن كان الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، أجرأ من سابقيه مثل بوش الابن وكلينتون، وطبعاً أوباما وبايدن.

يجب فهم طبيعة هذا النظام وكيف يفكّر، يقول طاهري: «أمام عدو كهذا، أسوأ ما يمكن فعله إنزال أذى به، ثم تركه على قيد الحياة. مع عدو كهذا، إما أن تقتله أو تحوِّله إلى صديق»!

والرجل الذي كان صحافياً لامعاً في عهد الشاه، وهو اليوم بلندن بعد هذه العقود، يقول: «بعد ما يقرب من نصف قرن، بات من الواضح للجميع أن النظام الخميني عاجز عن إصلاح نفسه، إلا إذا كان ذلك نحو الأسوأ».

بل إنه يرى الحلّ الحقيقي يكمن في القوة العسكرية الشاملة، وإنه من أجل الفوز يجب تزخيم الدبلوماسية: «لإقناع دول المنطقة وأوروبا بتوحيد موقفها تجاه طهران... وهذه الاستراتيجية تتطلب الصبر والمثابرة، لا مجرد التغريدات»!

هاتان رؤيتان من عقلين إيرانيين، أحدهما يقول - في شكل مراوغ - سلّموا بنفوذ إيران، والآخر يقول، استأصلوا هذا النفوذ، لا حلّ «حقيقياً» في الوسط، حسبهما؛ لأن أفكار النظام عن نفسه والعالم، صلبة عميقة لا تتغيّر.