أمير طاهري
صحافي إيراني ومؤلف لـ13 كتاباً. عمل رئيساً لتحرير صحيفة «كيهان» اليومية في إيران بين أعوام 1972-1979. كتب للعديد من الصحف والمجلات الرائدة في أوروبا والولايات المتحدة، ويكتب مقالاً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» منذ عام 1987.
TT

تحصيل مكاسب حرب إيران

استمع إلى المقالة

بعد أكثر من عام من اشتعال الحرب، وإن تخلّلته فترات قتال متقطعة، ربما حان الوقت للرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يقيّم ما جرى حتى الآن، واتخاذه مرشداً لما ما قد يقدم على فعله في وقت لاحق. إلا أنه قبل أن يفعل ذلك، يحتاج إلى أن يتأمل السؤال المحوري: هل هذه حرب اختيار أم ضرورة؟

في الواقع، نادراً ما حققت حروب الاختيار النتائج التي كان يأملها مَن أشعلوها. ومن بين الأمثلة هنا حرب الولايات المتحدة في فيتنام، التي توسعت لاحقاً إلى كمبوديا وقناة السويس. ومثال آخر كان الحرب التي قادتها بريطانيا ضد مصر عام 1956، كما يُعدّ التدخّل السوفياتي في أفغانستان مثالاً آخر على حروب الاختيار، وكذلك قرار الرئيس بيل كلينتون شن حرب في الصومال. ولا يزال أعنف مثال معاصر حرب فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا. في حروب الاختيار، حتى لو خرجت منتصراً (أمر نادر الحدوث)، فإن ما تكسبه غالباً أقل من الثمن الذي دفعته دماً ومالاً.

وتأتي حروب الاختيار نتاجاً لعقول متعصبة وطنياً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حرب القرم الكارثية بدأت بهتاف: لا نريد الحرب ـ لكن إن دعت الحاجة، لدينا ما يلزم من الرجال والسفن والمال!

في المقابل، تحدث حرب الضرورة، لأن الوضع الراهن الذي تواجهه أصبح لا يُطاق على المدى المتوسط إلى الطويل، أو لأنك تعرّضت لهجومٍ لم يترك خياراً أمامك سوى الرد.

يُذكر أنه عام 1939، رغم ضعفها النسبي في الرجال والعتاد، لم تكن بريطانيا لتستسلم من دون أن تختبر، على الأقل، الجولات الأولى من القتال.

أما فيما يخص الحرب المستعرة حالياً، وبحكم تقدير ست إدارات مختلفة في واشنطن، لم يتحول الوضع الراهن القائم بين النظام الخميني المستهجَن في طهران والولايات المتحدة، إلى خطرٍ واضحٍ وداهم يهدد أياً من الطرفين.

استناداً إلى ذلك التقييم، حاولت الإدارات الأميركية سلسلة من السبل لمنع الجمهورية الإسلامية من أن تتحول في المستقبل إلى خطر واضح وداهم. تخيّلوا أنه مع مرور الوقت سيطوِّر حكام طهران، المفتونون بآيديولوجيا قاتلة، صواريخ عابرة للقارات، ويجهزونها برؤوسٍ نووية، ويهددون بضرب نيويورك.

إلا أنه حتى لو كان هذا الافتراض صحيحاً؛ فلدينا نموذج قائم بالفعل، متمثل في كوريا الشمالية، التي تملك الصواريخ والرؤوس النووية. الفرق أن كيم جون أون يهدد بضرب سان فرانسيسكو، وليس نيويورك.

من منظور واشنطن وكثير من الدول الأخرى، خصوصاً في المنطقة، تُشكل الجمهورية الإسلامية تهديداً فتاكاً، لا سيما أنها دولة شاسعة المساحة وغنية بالموارد الطبيعية والبشرية. وإذا ما جرى توظيفها لإثارة الفتن، فإنها قادرة على إلحاق أضرار هائلة بآخرين.

من هذا المنظور، تظهر إيران ليس كمجرد منافس أو خصم أو عدو تقليدي. لقد أبدت طهران قدرتها على ارتكاب مجازر بحق مواطنيها بالآلاف، وحرمانهم من قوت يومهم لتمويل قتل السوريين واللبنانيين، وغيرهم من الشعوب.

أمام عدو كهذا، أو «عدو للجنس البشري»، بحسب مقولة لاتينية قديمة، فإن أسوأ ما يمكن فعله إنزال أذى به، ثم تركه على قيد الحياة. مع عدو كهذا، إما أن تقتله أو تحوِّله إلى صديق. الواضح أن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تفلح قط في حسم أي من الخيارين يجب اتباعه بجدية. من جهته، تحدث الرئيس جورج دبليو بوش عن أن «حسن النية يولد حسن النية»، ليُقابَل حديثه باحتجاز المزيد من الأميركيين رهائن لدى الخمينيين.

أما بيل كلينتون، فقد حمل شعار «الاحتواء»، بالإضافة إلى التودُّد إلى رجال الدين. وكوفئ عن ذلك بهجمات على السفارات والقواعد الأميركية في المنطقة. أما الرئيسان باراك أوباما وجو بايدن، فقد انقادا لرواية طهران، وصاغا اتفاق «العمل النووي» الكارثي، المعروف باسم «الاتفاق النووي»، استناداً إلى فتوى وهمية منسوبة إلى المرشد الراحل علي خامنئي. هذا الاتفاق منح الجنرال الراحل قاسم سليماني، الخبير في الترويج لنفسه، فرصة بناء إمبراطورية سيطرت في وقت من الأوقات على أربع عواصم عربية.

بعد ما يقرب من نصف قرن، بات من الواضح للجميع أن النظام الخميني عاجز عن إصلاح نفسه، إلا إذا كان ذلك نحو الأسوأ.

أظهرت الحرب الحالية أنه ما لم يجرِ غزو إيران عسكرياً بالكامل؛ فمن غير المرجح أن تُغير القيادة الإيرانية المُختزلة سلوكها بشكل جوهري.

في الوقت الراهن، تبدو جميع الخيارات تقريباً غير مُجدية. والواضح أن قصف الأهداف نفسها في إيران مراراً وتكراراً لا ينجز الكثير، حتى من الناحية العسكرية. وحتى سيطرة الولايات المتحدة على الجانب العماني من مضيق هرمز لن تُعيد الملاحة الطبيعية.

اليوم، بات «التهديد النووي» من إيران أبعد من أي وقت مضى. اليوم، أُغلِقَت صناعة الطاقة النووية بالكامل تقريباً، على مدار الأشهر الستة الماضية، على الأقل. وقد أدى «الاغتيال المُستهدف» لأبرز 23 عالماً نووياً إيرانياً إلى خلق فجوة قد تتطلب سنوات لسدها.

والآن، وصلت عملية التفاوض، التي أسفرت عن «مذكرة سوء الفهم» الفوضوية في غياب الكفاءات، أي الدبلوماسيين المحترفين من الولايات المتحدة، إلى طريق مسدود. إن الراغبين في التوصل إلى اتفاق في طهران لا يملكون القدرة على ذلك، ومن يملكونها لا يرغبون في اتفاق.

والخبر السار هنا أن فكرة تغيير النظام، وللمرة الأولى منذ ما يقارب نصف قرن، بدأت تكتسب زخماً داخل إيران، حتى بين قاعدة دعم النظام الأساسية. ولأسباب واضحة، أوقفت الحرب هذا الزخم، لكنها لم تقضِ عليه. فإذا كان ترمب عاجزاً عن تغيير النظام في طهران، فهذا لا يعني أن الإيرانيين عاجزون كذلك.

ورغم الضجة التي أثارتها مشاعر الكراهية المرضية تجاه ترمب، تظل الحقيقة أن الجمهورية الإسلامية مُنيَت بالهزيمة في هذه الحرب، وهي تدرك ذلك. وكثيراً ما تكون الهزيمة في الحرب مقدّمة لتغيير النظام.

ويبدي النظام بوضوح خشيته من أن يؤدي توقف القصف الأميركي، في ظل استمرار إجراءات «الضغط الأقصى»، إلى تشجيع معارضيه الكثيرين داخل إيران، بمن فيهم بعض فصائل قاعدة الخميني، على إعادة إشعال الثورات التي هزّتها الشتاء الماضي.

إن «المشكلة الإيرانية» تحدٍّ متعدد الأوجه لا يمكن مواجهته بالقصف وحده، بل يتطلب الأمر جهوداً سياسية تمهيدية مع عناصر داخل النظام ومحيطه.

كما يجب التواصل مع قوى المعارضة داخل إيران، بالإضافة إلى جهود دبلوماسية، لإقناع دول المنطقة وأوروبا بتوحيد موقفها تجاه طهران. والهدف النهائي تحويل النصر العسكري إلى نصر سياسي. وفي بعض الأحيان، تشكل الحرب استمراراً للسياسة بوسائل أخرى. وفي أحايين أخرى تكون السياسة وسيلة لجني ثمار الحرب. إلا أن هذه الاستراتيجية تتطلب الصبر والمثابرة، لا مجرد التغريدات.