د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

أوروبا و«شي إن»

استمع إلى المقالة

لسنوات ظلت الطرود الصغيرة تتهاطل على أوروبا من الصين، ملايين الصناديق الصغيرة تخرج يومياً من مصانع «قوانغتشو» و«شنتشن» لتصل إلى أبواب المستهلكين في باريس وبرلين ومدريد، تحمل ملابس وحُليّاً زهيدة الثمن تُشترى بضغطة زر، وخلف هذا السيل من البضائع ثلاث منصات صينية غيّرت وجه تجارة التجزئة العالمية خلال سنوات قليلة، هي «شي إن»، و«تيمو»، و«علي إكسبريس»، وقد بَنَت هذه المنصات نموذجها التجاري على فكرة بسيطة، وهي الشحن المباشر من المصنع إلى المستهلك دون وسيط أو مستورد أو مخزون محلي، مستفيدة من الإعفاءات الجمركية التي وُضعت في زمن لم يكن أحد يتخيل فيه أن يتسوق المستهلك من متجر يبعد عنه عشرة آلاف كيلومتر.

وتكشف الأرقام حجم الظاهرة، فبحسب المفوضية الأوروبية دخل إلى أوروبا في عام 2024 نحو 4.6 مليار طرد تقل قيمته عن 150 يورو، أي ما يعادل 12 مليون طرد يومياً، وهو ضعف العدد المسجل في عام 2023، ثم قفز الرقم في عام 2025 إلى نحو 5.9 مليار طرد، والأهم من الحجم هو المصدر، فنحو 91 في المائة من هذه الطرود تأتي من الصين وحدها، وهذه الأرقام تعني أن ما بدأ استثناء جمركياً محدوداً تحول إلى قناة تجارية ضخمة تمر خارج منظومة الرسوم التي يخضع لها المستورد التقليدي.

وأمام هذا الوابل من الطرود الصغيرة، جاء قرار الاتحاد الأوروبي في بداية الشهر الحالي بإلغاء الإعفاء الجمركي على الطرود التي تقل قيمتها عن 150 يورو، واستبداله برسم ثابت قدره ثلاثة يوروات على كل سلعة، ويُحسب الرسم لكل صنف من أصناف المنتجات، فالسلة الواحدة قد تحمل عدة رسوم في عملية شراء واحدة، وهذا القرار مؤقت حتى منتصف عام 2028 حين يكتمل النظام الجمركي الأوروبي الجديد، أما الطرود التي تتجاوز 150 يورو فلم يمسها القرار؛ إذ كانت وما زالت تخضع للرسوم الجمركية الكاملة إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة شأنها شأن أي استيراد تقليدي، والخطوة الأوروبية ليست الأولى من نوعها، فقد سبقتها الولايات المتحدة في عام 2025 حين ألغت إعفاءها المماثل الذي كان يشمل الطرود دون 800 دولار، فهبطت صادرات الطرود الصينية الصغيرة إلى أميركا بنحو 30 في المائة، لكن البضاعة لم تختفِ بل غيّرت وجهتها، وتحولت طاقة الشحن الجوي من خط المحيط الهادئ إلى خط الصين - أوروبا، فجاء القرار الأوروبي ليغلق الباب الثاني في وجه السيل، أو على الأقل هذا ما أراده صانعوه.

ذلك أن المنصات الصينية استعدت لهذا القرار وكأنما كانت تتوقعه، فافتتحت «شي إن» مركزاً لوجستياً ضخماً في بولندا، وأتبعته بمستودع في وسط إنجلترا، وبنت «تيمو» عشرة مستودعات أوروبية تستهدف تلبية 80 في المائة من طلباتها من داخل القارة الأوروبية، والغريب أن أوساط التحليل الصينية قرأت القرار الأوروبي من زاوية معاكسة تماماً للسردية الأوروبية، فهي لا تصفه بالحمائية بقدر ما تراه نهاية لنموذج النمو القائم على الكلفة المنخفضة وحدها، ودفعة قسرية لشركاتها نحو نموذج أنضج قوامه التوطين وبناء العلامات التجارية، مقدّرة الكلفة الإضافية الحقيقية بما بين 5 و8 يوروات للطرد الواحد بعد إضافة تكاليف التخليص واللوجستيات، وكأن الجانبين يرويان القصة نفسها بلغتين، الأول يسميها استعادة السيادة، والثاني يسميها نضج النموذج التجاري.

وعلى ذلك فإن أوروبا خرجت بنتيجتين من هذا القرار، الأولى كسبها لسيادتها التنظيمية والضريبية، إذ أصبحت الشركات الصينية خاضعة للضرائب الأوروبية ولمعايير سلامة المنتجات والمعايير البيئية التي كان الطرد المباشر يفلت منها، وكسبت الجمارك القدرة على فحص شحنات مجمعة بدلاً من ملاحقة 12 مليون طرد يومياً، وكسب اقتصادها آلاف الوظائف اللوجستية، والنتيجة الثانية خسارتها الهدف الحمائي الأصلي، فالقرار الذي شُرّع لحماية التجار والمصنعين الأوروبيين انتهى بتجذير المنافس داخل السوق بدلاً من إخراجه منها، فالمنصات الصينية اليوم تنافس التجزئة الأوروبية من الداخل وبسرعة توصيل أعلى، بل إن الرسم الثابت نفسه يضر البائع الأوروبي الصغير الذي يستورد بكميات محدودة أكثر مما يضر عملاقاً يشحن بالحاويات إلى مستودعاته.

إن حالة القرار الأوروبي لهي نموذج مصغر لمعضلة الحمائية في عالم اليوم، فالبضاعة أسرع من التشريع دائماً، تغيّر مسارها حين تغلق الأبواب، وتغيّر جلدها حين تشتد الرقابة، والمستهلك الذي اعتاد الشراء الرخيص سيدفع الفاتورة في النهاية، إما على شكل رسم يظهر عند الدفع، أو بسعر أعلى لبضاعة تخرج من مستودع محلي، وبين هذا وذاك تبقى الحقيقة الثابتة، أن عصر الطرد الذي يعبر القارات دون حسيب قد انتهى، وأن التجارة الإلكترونية العابرة للحدود تدخل مرحلة جديدة عنوانها القرب لا البعد، والتوطين لا العبور.