آن لور لو كنف
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

النقرة الواحدة لا تكفي لكشف الحقيقة

استمع إلى المقالة

اليوم، أصبحت أكثر من 60 في المائة من عمليات البحث عبر محرك «غوغل» داخل الولايات المتحدة تنتهي دون أن ينقر المستخدم على أي رابط؛ إذ نكتب السؤال، ثم نقرأ ملخصاً لنتائج البحث تولّده تقنيات الذكاء الاصطناعي، ونغادر بعد أن نكون قد توصلنا إلى إجابتنا.

ولا يقتصر الأمر على «غوغل»؛ إذ ينطبق على برامج أخرى مثل «كلاود» و«تشات جي بي تي»، بالإضافة إلى المنافسين الواعدين مثل «بيربليكسيتي». الملاحظ أنَّ جميع هذه البرامج تستقبل السؤال، وتُقدّم إجابة سريعة، مما يختزل رحلة التصفح المتشعّبة والطويلة عبر الإنترنت، ويحولها إلى وصول فوري للمبتغى. ونتيجة لذلك، بدأت تتلاشى مرحلة البحث الاستكشافية، القائمة على التنقل بين الروابط، والعثور بمحض الصدفة على صفحات غير متوقعة، وتتبع المراجع التي تقود إلى وجهات لم تكن في الحسبان.

ويثير هذا التحول قلقَ كل من ينشر محتوى على الإنترنت، لأنه يتسبّب في تراجع تدفق الزوار إلى المواقع الإلكترونية، ويزيد صعوبة حماية الملكية الفكرية والتربح منها. ورغم ذلك، قد يعتقد البعض أن هذا يصبّ في مصلحة مستخدمي الإنترنت؛ فهل من عيب في الحصول على إجابة موثوقة وبسرعة أكبر؟

في الواقع، نعم؛ فمن خلال تقليص المدة الزمنية الفاصلة بين طرح سؤال وتلقي الإجابة عنه، تُسهم هذه الأدوات في تقويض فضولنا المعرفي، بل المفارقة الكبرى أنها تهدّد قدرتنا على فهم العالم من حولنا.

من جهتي، كنت أعمل في شركة «غوغل» قبل نحو عقد، وحينها كنا نقيس قيمة المحتوى الرقمي بناءً على مؤشرات تفاعل المستخدمين، مثل معدلات النقر وعمق التصفح. وتكمن المفارقة في أن تلك الميزة التي كانت «غوغل» تكافئ المواقع عليها -استكشاف الناس للمحتوى- أصبحت اليوم تحديداً هي ما تسعى منتجات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى تقويضه.

وقد غادرت «غوغل» لأتفرغ لدراسة علوم الأعصاب، وما وجدته في الأبحاث العلمية يفسّر بوضوح لماذا تشكّل ملخصات الذكاء الاصطناعي خطراً على عملية التعلّم. لقد أثبتت دراسات أن الفضول ليس مجرد رغبة فردية في معرفة حقائق منفصلة، بل سمة حيوية في تركيبنا البيولوجي صُمّمت لمساعدتنا على التعلم بمفهومه الأوسع، الأمر الذي يتطلّب شرطاً أساسياً: وجود فجوة بين ما تريد معرفته وما تتوصل إليه بالفعل.

وخلص باحثون إلى أن الأشخاص الذين يشعرون بالفضول، في أثناء انتظارهم إجابةً لسؤالٍ مثيرٍ للاهتمام، يتذكرون المعلومات غير ذات الصلة التي يصادفونها خلال تلك الفترة، بشكلٍ أفضل بكثير مما لو كانوا في حالةٍ طبيعية. وفي الدراسة نفسها، وضع الباحثون هؤلاء الأشخاص على أجهزة تصوير الدماغ. ووجدوا أن انتظار الإجابة يُنشّط دوائر المكافأة في الدماغ، ويُهيّئ «الحُصين» للمساعدة في تكوين ذكريات جديدة. وقد أبلغ باحثون آخرون عن نتائج مماثلة، في دراساتٍ شملت رُضّعاً وأطفالاً أكبر سناً وبالغين.

باختصار، يضع الفضول الدماغ بأكمله في حالةٍ من الاستقبال المُتزايد، ليس فقط للشيء المُحدد الذي تُريد معرفته، بل كذلك لكل ما يحيط به. ويفتح الفضول نافذةً، وما دامت النافذة مفتوحة يتعمّق التعلّم في جميع المجالات المتاحة.

إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه هنا أن هذه النافذة لا تبقى مفتوحة، إلا إذا كان السؤال باقياً دون إجابة. أما عندما يُجيب الذكاء الاصطناعي عن استفسارك في ثلاث ثوانٍ، تُغلق النافذة قبل أن يتعمّق الفضول. لقد حصلت على ما جئت من أجله، لكنك فقدت في الوقت ذاته ما كان سيحول فضولك إلى عملية تعلّم حقيقية: المقال المجاور، الذي ربما كنت ستقرأه، والمسار الفرعي الناشئ عن بحثك، الذي ربما كنت ستتبعه، والصلة بين فكرتين لا تربطهما علاقة واضحة.

من جهتهم، يُطلق الباحثون على هذه الآلية المرتبطة بالتعلم اسم الاكتشافات غير المتوقعة أو العرضية. في الواقع، نادراً ما تنشأ الإنجازات العلمية، والقفزات الفنية، والابتكارات التكنولوجية من استرجاع فاعل للمعلومات المعروفة، وإنما تنشأ من فترات استكشاف غير موجه، عندما يتعمّق الناس في الأسئلة أكثر مما يحتاجون إليه، فيقعون على أشياء لم يتوقعوها.

على سبيل المثال، عندما اكتشف الفيزيائيان أرنو بنزياس وروبرت ويلسون، أزيزاً مستمراً في هوائي الراديو الخاص بهما عام 1964، كان بإمكانهما عدّه مجرد ضوضاء في الجهاز؛ لكنهما استمرا في التساؤل عن ماهيته، وانتهى بهما الأمر إلى اكتشاف الإشعاع المتبقي من «الانفجار العظيم».

الحقيقة أن التقنيات المتاحة أصبحت تتعامل، بشكل متزايد، مع المنطقة الواقعة بين السؤال والإجابة، باعتبارها مساحة مهجورة يجب التخلص منها، في حين أن هذه المنطقة تحديداً هي المكان الذي يحدث فيه الجزء الأكبر من عملية التعلّم فعلياً.

ولا يقتصر الخطر في توقف الناس عن طرح الأسئلة، وإنما يمتد إلى جعل الأسئلة المطروحة غايات نهائية. ومع أن الخسارة قد لا تكون جسيمة في أي حالة منفردة، فإن قلة الانحرافات والاكتشافات غير المتوقعة ستترك بالتأكيد أثراً تراكمياً. مع مرور الوقت، سيصبح الأشخاص، الذين تدربوا بهذه الطريقة، أكثر براعة في استخلاص استنتاجات جاهزة من بناء روابط خاصة بهم.

بطبيعة الحال، لا أحد مُجبر على استخدام هذه الأدوات. ولا يزال بإمكان الناس التصفح والاستكشاف، ومتابعة سلسلة من الروابط نحو مناطق غير مألوفة، لكن البنية الافتراضية لمنصاتنا الرقمية ستجعل هذا الأمر أقل احتمالاً.

وعلى عكس التكاليف الاجتماعية الأخرى للتصميم التكنولوجي -على سبيل المثال، السلوكيات الإدمانية التي يُشجعها التمرير اللانهائي في منصات التواصل الاجتماعي- فإن فقدان الفضول الحر لن يفضي إلى رفع دعوى قضائية جماعية ضد شركات التكنولوجيا، أو يدفع الجهات التنظيمية إلى التدخل.

وسيتعيّن على شركات الذكاء الاصطناعي الراغبة في خدمة مستخدميها على النحو الأمثل، اتخاذ إجراءات بنفسها. على سبيل المثال، بدلاً من إخفاء المصادر خلف إعادة الصياغة واستبدال ملخص واحد بعشرة روابط، يُمكنها إقرار خيارات تصميم مختلفة. يُمكنها إبقاء المصادر أكثر وضوحاً. ويُمكنها كذلك عرض تفسيرات متعارضة، بدلاً من ضغطها في فقرة واحدة مُنسقة. وبإمكانها توفير أنماط بحث بديلة تولي الأولوية للاستكشاف، وليس السرعة.

آمل أن يأخذ زملائي سابقاً في «غوغل»، والمهندسون المعنيون بتطوير أدوات مُشابهة في أماكن أخرى، هذه الاقتراحات على محمل الجد، وأن يُطوّر القطاع أفضل الممارسات التي تحمي الفضول، بدلاً من التعامل معه بوصفه أمراً ثانوياً. المؤكد أن المساحة الفاصلة بين السؤال والجواب قيمة للغاية، ولا ينبغي إهدارها.

والواقع يؤكد أنه غالباً ما تكون أهم الاكتشافات ليست تلك التي نسعى خلفها. وإذا بنينا عالماً لا يُلبي إلا ما نطلبه منه فسنفقد القدرة على اكتشاف ما نجهله، ونجهل أننا نجهله.

* خدمة «نيويورك تايمز»