عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

بريطانيا... رئيس الوزراء الذي لم يختبره أحد

استمع إلى المقالة

أندي بيرنهام ليس سياسياً مجهولاً في بريطانيا؛ فقد شغل مناصب وزارية مهمة، بينها الصحة والثقافة، وخاض سباق قيادة حزب «العمال» من قبل، ثم أمضى سنوات عمدةً لمانشستر الكبرى، حتى أصبح من أبرز السياسيين خارج وستمنستر.

لكن معرفة الرجل تختلف عن معرفة رئيس الوزراء الذي قد يصبحه.

فمع حصوله على تأييد 322 نائباً من نواب «العمال» في وستمنستر، يبدو الطريق إلى رئاسة الحكومة مفتوحاً أمامه، وفقاً للتقاليد الدستورية البريطانية التي تجعل زعيم الحزب صاحب الأغلبية البرلمانية رئيساً للوزراء، من دون الحاجة إلى انتخابات عامة جديدة.

ولا يثير ذلك أي إشكال دستوري.

لكن الديمقراطية البرلمانية لا تقوم على النصوص الدستورية وحدها؛ بل على الاختبار السياسي العلني أيضاً.

ففي الظروف الطبيعية، تتحول انتخابات قيادة الحزب إلى ما يشبه امتحاناً عاماً أمام الرأي العام، فالمرشح لا يكتفي بإقناع نواب حزبه؛ بل يخوض مناظرات، ويشارك في لقاءات مع قواعد الحزب والنقابات المرتبطة به، ويواجه أسئلة الصحافيين، ويشرح مواقفه في الاقتصاد والهجرة والدفاع والسياسة الخارجية، قبل أن يدخل «10 داونينغ ستريت».

وهذه المرة، يكاد هذا الامتحان يغيب بالكامل.

ولعل المفارقة أن هذا الاختبار ليس مجرد طقس سياسي أو حملة انتخابية؛ بل يؤدي وظيفة ديمقراطية مهمة؛ فهو يسمح للناخبين، وللأسواق المالية، ولحلفاء بريطانيا في الخارج، بأن يتعرفوا إلى أسلوب الرجل الذي يستعد لقيادة الحكومة، وكيف يفكر عندما يواجه الأسئلة الصعبة، لا عندما يقرأ خطاباً أعده مستشاروه.

وفي كثير من الأحيان، تكشف هذه المرحلة ما لا تكشفه الخطب السياسية.

وقد شهدت بريطانيا خلال العقود الأخيرة انتقالات عديدة في رئاسة الحكومة من داخل الحزب الحاكم، من جون ميجور بعد مارغريت ثاتشر، إلى غوردون براون بعد توني بلير، ثم تيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك. واختلفت نتائج تلك التجارب، لكن جميعها مرّ بدرجات متفاوتة من المناظرات، والمقابلات الصحافية، والأسئلة الصعبة التي أتاحت للناخبين تكوين صورة أوضح عن الرجل أو المرأة قبل دخول «داونينغ ستريت».

قد يضطر المرشح إلى توضيح مواقفه، أو تعديل بعض تصريحاته، أو شرح كيفية تنفيذ وعوده عندما يواجه أسئلة دقيقة حول الاقتصاد أو الأمن أو العلاقات الدولية. ولهذا، ينظر كثير من المراقبين في وستمنستر إلى سباقات القيادة بوصفها اختباراً عاماً قبل تولي السلطة، لا مجرد منافسة داخل الحزب.

أما في حالة بيرنهام، فقد حسمت الكتلة البرلمانية للحزب النتيجة بسرعة غير مسبوقة تقريباً، وهو ما وفر له دعماً سياسياً قوياً داخل الحزب، لكنه حرم الرأي العام من مرحلة التدقيق والاختبار التي اعتاد البريطانيون رؤيتها مع كل انتقال كبير للسلطة.

ولا تقتصر الأسئلة المعلقة على الاقتصاد أو السياسة الاجتماعية؛ بل تمتد إلى السياسة الخارجية، وهي من أهم الملفات التي يملك فيها رئيس الوزراء البريطاني تأثيراً مباشراً. فما موقفه من مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة؟ وكيف سينظر إلى التزامات بريطانيا داخل حلف شمال الأطلسي في ظل الحرب الأوكرانية؟ وما رؤيته للحرب في غزة، وللعلاقات البريطانية مع إسرائيل ودول الخليج وإيران؟ وحتى الآن، لم تُتَح للرأي العام فرصة سماع إجاباته المباشرة عن هذه القضايا في مقابلات مطولة أو مناظرات مفتوحة.

ولا يقتصر الاهتمام بهذه الأسئلة على الناخب البريطاني وحده؛ بل تتابعها أيضاً واشنطن، وعواصم حلف شمال الأطلسي، ودول الخليج، لأنها تريد أن تعرف ما إذا كانت السياسة البريطانية ستستمر على نهجها الحالي، أم أن الحكومة الجديدة ستتبنى أولويات مختلفة. وعادةً ما تقدم المناظرات والحوارات الإعلامية بعض الإجابات المبكرة، أما هذه المرة فما زال معظم الأسئلة بلا إجابة.

وخلال الأيام الأخيرة، تحدث عدد من أنصار بيرنهام إلى وسائل الإعلام، وقدموا تصوراتهم لما قد تكون عليه سياساته. لكن أنصار أي زعيم لا يصنعون برنامج حكومته، ولا يمكن أن يحلوا محل إجاباته الشخصية أمام الرأي العام، أو أمام شركاء بريطانيا في الخارج.

وتزداد غرابة هذه المرحلة الانتقالية لأن كير ستارمر، ما زال يمارس كامل صلاحياته، ويمثل بريطانيا في اجتماعاتها الدولية، بينما تتجه أنظار وستمنستر إلى الرجل المتوقع أن يخلفه، من دون أن يكون قد مر بالاختبار السياسي والإعلامي المعتاد الذي يسبق عادة دخول أي رئيس وزراء جديد إلى «داونينغ ستريت».

فالسؤال الحقيقي ليس: من هو أندي بيرنهام؟ فالبريطانيون يعرفون الرجل. لكن في الديمقراطية البرلمانية، لا تُقاس شرعية رئيس الوزراء بعدد النواب الذين أيدوه فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى قدرته على الإجابة عن أسئلة الرأي العام قبل أن يتولى السلطة.