منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يدور الشرق الأوسط في دائرة تكاد تتكرر ملامحها، تنتهي حرب لتبدأ أخرى، وتهدأ جبهة حتى تشتعل جبهة جديدة، بينما يبقى الجمر كامناً تحت الرماد، ينتظر ظرفاً سياسياً، أو تدخلاً خارجياً، أو حسابات إقليمية تعيده إلى الاشتعال.
ومع مرور العقود، تترسخ حقيقة قاسية، وقناعة مؤلمة، بأن المنطقة لا تعيش إلا على إيقاع الحرائق.
هذا الواقع يفرض سؤالاً واضحاً: هل اقتربت لحظة الخروج من هذه الدائرة المغلقة، أم أن الحرائق أصبحت جزءاً من البنية السياسية والأمنية للشرق الأوسط؟
إن تشخيص الأزمة لم يعد محل خلاف بين التيارات المختلفة، فالدولة الوطنية العربية، منذ الاستقلال، واجهت تحديات متراكمة أضعفت قدرتها على ترسيخ مؤسساتها، واحتكارها أدوات القوة، وفرض سيادة القانون. وقد نشأ فراغ تتمدد فيه الميليشيات، وتتعدد فيه مراكز القرار، وتتشابك فيه الولاءات، فتتراجع هيبة الدولة في أكثر من ساحة عربية.
ويقدم لبنان والسودان المثال الواضح لما يمكن أن تؤول إليه الأوطان، عندما يتوزع السلاح بين الدولة والتنظيمات المسلّحة، وكذلك فلسطين؛ وهي القضية التي تُوحد وجدان العرب، لم تكن بعيدة عن هذا المرض العضال، فقد أضعف الانقسام الداخلي قدرتها على توحيد القرار السياسي في مواجهة احتلال يفرض تحديات غير مسبوقة، وأصبح توحيد المرجعية الوطنية ضرورة لحماية القضية، وتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي، وصوْن حقوق الشعب الفلسطيني.
وفي الجهة الأخرى، استثمرت إسرائيل، منذ قيامها عام 1948، كثيراً من هذه التناقضات، وجعلتها جزءاً من استراتيجيتها في إدارة الصراع، واستفادت من الانقسامات العربية، ورسّخت في الوعي الغربي صورة الدولة الديمقراطية المحاطة بالفوضى، وهي رواية حجبت كثيراً من حقائق الصراع، وأسهمت في ترسيخ اختلال واضح في المواقف الدولية تجاه قضايا المنطقة.
وتعاظم المشهد تعقيداً مع التدخلات الإقليمية، والتنظيمات ذات الارتباطات العابرة للحدود، فتحولت أزمات الشرق الأوسط إلى صراعات ممتدة، تتداخل فيها المصالح الدولية مع الحسابات المحلية، وأصبح الإقليم ساحة تتقاطع فوقها مشاريع النفوذ، بينما تراجعت مشاريع التنمية والاستقرار.
وكشفت التطورات التي شهدتها الممرّات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز والبحر الأحمر، أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد شأناً إقليمياً، لكنه بات ركناً أساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي، فهذه الممرات تمثل شرايين رئيسية للطاقة، والتجارة، وسلاسل الإمداد العالمية، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية، وحركة الملاحة، وأمن الطاقة.
إن آثار هذه الصراعات لا تقف عند حدود الخرائط والسياسة، لكنها تمتد إلى الإنسان العربي نفسه، الذي أصبح يدفع كلفة الحروب جيلاً بعد جيل، فقد أفرزت النزاعات موجات واسعة من النزوح واللجوء، واستنزفت الموارد التي كان يمكن أن تُوجَّه إلى التعليم، والصحة، والبنية الأساسية، بينما نشأت أجيال كاملة في بيئات يغيب عنها الاستقرار، وتغلب عليها ثقافة الخوف وعدم اليقين، وحين تصبح الحرب جزءاً من المشهد اليومي، تتراجع فرص التنمية، وتتآكل الثقة في المستقبل، وتفقد المجتمعات قدرتها على التخطيط لما هو أبعد من النجاة من الأزمة التالية.
ومن هنا فإن مسؤولية إطفاء الحرائق تتجاوز احتواء الأزمات بعد اندلاعها، لتصل إلى معالجة أسبابها، ويأتي في مقدمة ذلك تعزيز الدولة الوطنية، وإنهاء ظاهرة الميليشيات، ووقف التدخلات الخارجية، وتوحيد القرار الفلسطيني، والعمل الجاد من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وكل ذلك يوصَف بركائز أساسية لاستقرار المنطقة.
يقع على عاتق العرب دور تاريخي في هذه المرحلة، فامتلاكهم أهم الممرات الاستراتيجية في العالم يمنحهم وزناً سياسياً واقتصادياً كبيراً، ويضع أمامهم مسؤولية بناء رؤية عربية مشتركة تحمي الأمن القومي، وتصون أمن الملاحة الدولية، وتؤكد أن استقرار الشرق الأوسط مصلحة عالمية.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الاتفاقات المؤقتة تُؤجل الأزمات، وأن أسباب التوتر تعود في كل مرة بأشكال جديدة، أما الاستقرار الحقيقي فيبدأ من إعادة الاعتبار للدولة الوطنية بمعناها الفلسفي الشامل، وترسيخ سيادتها، وتجفيف منابع الصراعات، وإعادة بناء الثقة بين دول الإقليم.
وتكشف تجارب العقود الماضية أن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، كما أن الردع، مهما بلغ، لا يستطيع أن يصنع سلاماً دائماً، فإذا غابت التسويات العادلة، بقيت جذور الأزمات دون حلول منطقية.
إن أي هدنة لا تعالج أسباب الصراع، وأي اتفاق لا يستند إلى احترام سيادة الدول، وإعلاء القانون الدولي، وإنصاف الشعوب في حقوقها المشروعة، يظل معرضاً للانهيار عند أول اختبار، فبناء السلام الحقيقي يبدأ من معالجة جذور الأزمات معالجة نهائية، مستنداً إلى الصراحة مع الذات.
لكن الحرائق المزمنة ليست قدَراً محتوماً، وإنما هي حصيلة خيارات سياسية تراكمت عبر عقود، وتغييرُ هذه الخيارات يظل ممكناً إذا ما توفرت الإرادة، واجتمعت الرؤية، وارتفع صوت الدولة فوق صوت السلاح، وتقدمت المصالح الوطنية على حسابات النفوذ، عندها يخمد الجمر الكامن تحت الرماد، ويستعيد الشرق الأوسط حظه في مستقبلٍ يصنعه الاستقرار، وتحميه التنمية، ويؤمن بأن السلام قرار، وليس هدنة بين حريقين.
