ليونيل لورنت
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

كيف تفوّقت إسبانيا على كوريا الجنوبية؟

استمع إلى المقالة

معروف للجميع أنَّ اقتصاد جنوب أوروبا عاين تحولاً لافتاً منذ أزمة الديون السيادية، خلال العقد الماضي، غير أنَّ طفرة النمو في إسبانيا لا تزال تحطم أرقاماً قياسية جديدة؛ إذ قفز ناتجها المحلي الإجمالي السنوي حديثاً ليتجاوز نظيره في كوريا الجنوبية، وتنضم البلاد بذلك إلى «نادي التريليونَي دولار». كما أنَّ نموَّها بات يفوق معدلات دول مجموعة السبع، وتراجعت البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ يناير (كانون الثاني) 2008. والسؤال الآن: هل ينبغي القلق؟ ففي نهاية المطاف، كانت المرة الأخيرة التي بدت فيها آفاق البلاد مشمسة بهذا الشكل، مدفوعة بفقاعة عقارية غير مستدامة، وانفجرت حينها بتبعات دراماتيكية.

وتبدو البهجة الإسبانية أقل هشاشة هذه المرة. وإذا كانت إسبانيا تتوقع نمواً بنسبة 2.6 في المائة هذا العام، مما يضعها على قدم المساواة مع مكاسب كوريا الجنوبية، المتفائلة والمدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي، فإن ذلك لا يعود إلى قطاع واحد تضخم بشكل مفرط (فأبرز صادرات إسبانيا السيارات والمنتجات الغذائية الزراعية، وليست التكنولوجيا). بل إن المحرك الأساسي هو النمو السكاني الناتج عن العمالة المهاجرة، خصوصاً أنَّ البلاد تسير عكس التيار، مقارنة بالنزعات القومية المناهضة للهجرة في أماكن أخرى، متخذة إجراءات مثل تسوية الأوضاع الجماعية للمهاجرين، التي منحت تصاريح إقامة لأكثر من مليون وافد غير شرعي.

وحسب الأرقام، قفز عدد سكان إسبانيا إلى قرابة 50 مليون نسمة، مقارنة بـ36 مليوناً قبل نصف قرن، في أكبر زيادة مئوية بين الدول الخمس الكبرى في الاتحاد الأوروبي، حسب ويليام تشيسليت، من معهد «ريال إلكانو» للأبحاث. ويعني هذا المزيد من العمال، والمزيد من الإنفاق، والمزيد من العائدات الضريبية.

ويُعزى نحو 80 في المائة من نمو الوظائف في إسبانيا منذ عام 2022 إلى الزيادة في المواليد الأجانب، حسب رافائيل دومينيك، الخبير الاقتصادي في بنك «بي بي في إيه». أما الميزة الأخرى فتكمن في ازدهار قطاع السياحة، الذي يمثّل نحو 13 في المائة من الاقتصاد، وحطّم أرقاماً قياسية هذا العام مع تجنّب المسافرين منطقة الشرق الأوسط التي تمزقها الحروب.

وتستمر الأجواء الإيجابية في جذب رواد الشواطئ، رغم أن التأخيرات على حدود الاتحاد الأوروبي والموجات شديدة الحرارة ستمثّل تحديات حقيقية. والأهم من ذلك أن هذا الطلب المتزايد جرى استيعابه، دون التسبب في تضخم جامح؛ إذ تساعد شبكة الطاقة المعتمدة بقوة على الطاقات المتجددة في حماية المستهلكين، من صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران.

وتُعدّ كل هذه المعطيات إيجابية، خصوصاً لمنطقة اليورو، التي تتوق إلى النمو في وقت يتعطّل فيه المحرك الاقتصادي الفرنسي والألماني. ومن النادر في أوروبا أن تسمع من يتحدث عن الهجرة الجماعية بوصفها نعمة، لكن هذا بالفعل الوصف الذي يطلقه بعض الإسبان، على التدفق الأخير للوافدين من أميركا اللاتينية.

وتبدو مزايا البلاد كذلك أقل عرضة للمضاربة، مقارنة، على سبيل المثال، باختناقات أشباه الموصلات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، التي تغذّي اقتصاد كوريا الجنوبية، وتضاعف أسعار أسهم شركات الرقائق الإلكترونية لديها. وبفضل هذا الناتج المحلي الإجمالي القوي، أصبح من السهل على حكومة الأقلية بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، مقاومة انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وإن كان تقاعس مدريد عن الإنفاق الدفاعي في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وموقفها الأكثر ليناً تجاه قبول الاستثمارات الصينية لا يروق دائماً للعواصم الأوروبية الأخرى.

ومع ذلك، يبقى السؤال: ما مدى استدامة هذا الوضع على المدى الطويل؟ اليوم، أصبحت الضغوط على الموارد، مثل الإسكان، واضحة بالفعل، مما يشير إلى أن كثافة الهجرة قد تحتاج إلى التراجع. وتصف صحيفة «إلبايس»، إسبانيا بأنها بلد يضم 50 مليون نسمة، لكن بنيته التحتية مخصصة لـ40 مليوناً فقط. كما أن الاستثمار العام كان دون مستوى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي؛ أسوأ من متوسط الاتحاد الأوروبي. وتشعر كثير من الأسر الإسبانية بأنها أسوأ حالاً اليوم، مما كانت عليه في عام 2022.

وحتى لو لم تشهد البلاد رد فعل عنيفاً على غرار «بريكست»، فقد اكتسب حزب «فوكس» المناهض للهجرة مقاعد في الانتخابات الإقليمية، وقد يساعد ذلك في إعادة اليمين إلى السلطة. وتتزايد الضغوط للإنفاق أكثر من أجل حل المشكلات الهيكلية، مع اقتراب انتهاء التمويل السخي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي. يُذكر أن إسبانيا كانت ثاني أكبر مستفيد منها، وأمامها مهلة تنتهي بنهاية صيف عام 2026 لتقديم طلباتها النهائية للحصول على تلك الأموال.

هنا تكمن ميزة اقتصاد كوريا الجنوبية. فقد تمكّنت هذه الدولة الآسيوية من رفع الإنتاجية، محققةً عائداً أكبر من القوى العاملة على أساس الساعة، وسيتعيّن على مدريد أن تحذو حذوها في نهاية المطاف. يتحدث الوزراء الإسبان عن تحول «عميق» في الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك ظهور شركات التكنولوجيا الناشئة في العاصمة التي تجذب المستثمرين الأثرياء. لكن آنا أندرادي من «بلومبرغ إيكونوميكس» تشير إلى أن الإنتاجية الإجمالية كانت متفاوتة. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الإسباني بشكل أقل إثارة للإعجاب على أساس نصيب الفرد مقارنةً بالنمو الإجمالي، وهو ما يكفي لتجاوز اليابان، ولكنه لا يزال متأخراً بشكل ملحوظ عن كوريا. وعلى أساس الساعة، هناك فجوة مستمرة مع ألمانيا وهولندا ودول الشمال الأوروبي.

وعلى ما يبدو، بدأت إسبانيا تدرك إمكانات الذكاء الاصطناعي في هذا الصدد، مع تخصيصها أموالاً حكومية للاستحواذ على حصة بقيمة 130 مليون دولار في شركة «أوبن شيب» لصناعة الرقائق الإلكترونية ومقرها برشلونة -التي يصفها المؤيدون بأنها «إنفيديا الكاتالونية»- وتتطلّع إلى توسيع مراكز البيانات بفضل انخفاض تكلفة الكهرباء فيها.

إلا أن هذا لن يُحدث تغييراً جذرياً بمفرده. يتطلّب تبني التكنولوجيا من قِبل الصناعات والمستهلكين قفزة نوعية لسد الفجوة المستمرة في الحجم والابتكار بين الشركات الإسبانية ونظيراتها الأوروبية. وينطبق الأمر نفسه على الاستثمار في بنية تحتية أفضل لجذب المواهب، مع بلوغ تكاليف السكن 70 في المائة من الأجور في مدريد وكاتالونيا. وربما يُمكن أن يكون قطاع السياحة بمثابة ساحة اختبار لقوى عاملة أكثر كفاءة وإنتاجية، سواء من خلال التوصيات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، أو تسجيل الوصول الآلي في الفنادق، أو روبوتات التنظيف. لطالما كان أداء إسبانيا الاقتصادي مثالاً على فكرة أنه «لا ذكاء اصطناعي، لا مشكلة». ومع ذلك، فإنه على المدى البعيد، ستُقدّم كوريا الجنوبية نموذجاً أمام الأوروبيين عليهم أن يحتذوه.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»