تحول تعادل المغرب مع هولندا إلى انفجار اجتماعي في «البلاد المنخفضة». وقد سميت كذلك لأنها الوحيدة التي تحت سطح البحر. السقوط في الكرة ذكّر الهولنديين بأنهم هم مَن اختاروا التراخي في الحياة. ليس الانفتاح بل التراخي بلا حدود. شرّعت تعاطي الحشيشة وسمحت ببيعها في الدكاكين. وفتحت الأبواب أمام اللاجئين. وسمحت بـ«الموت الرحيم» أو قتل المرضى الميؤوس من علاجهم.
مع هذه «الحريات» نشأ مجتمع مختلف حتى عن أوروبا. ولم يعد شرفاً وطنياً أن تكون هولندا على حافة الكأس كل أربع سنوات. وتدنت مراكز هولندا في كثير من المستويات والمؤشرات. وغابت تقريباً عن الحضور السياسي. وما أرادته تجربة في الحرية صار محنة في الحريات.
وغالباً ما تعكس الرياضة أحوال البلدان ومكانتها. وكان الاتحاد السوفياتي يفضل الفوز في السباق على كرة القدم على الفوز في السباق على مدار الأرض. وفي عام 1989 لجأت اللاعبة الرومانية ناديا كومانتشي إلى الغرب ورأى في ذلك كثيرون أنه كان بداية تفكك العالم الشيوعي. إذ بعد هروبها إلى النمسا بأسبوعين بدأت في رومانيا الثورة على نظام تشاوشيسكو ثم امتدت إلى أوروبا الشرقية.
الكرة وجه من وجوه الاعتزاز في حياة الشعوب. وتقدمت دول صفوف العالم بسبب فرقائها وحراس مراميها، وبينها هولندا ثلاث مرات. وكان اللاعب بيليه أشهر من بلده (البرازيل) ومارادونا أشهر من الأرجنتين. وهُزمت ألمانيا أم الدول الصناعية أمام دولة تدعى الباراغواي.
«نوبل» الآداب كل سنة، وكأس الكرة كل أربع سنوات، تضعان بلد الفوز على شاشة العالم. لقد ربحنا مرة مع نجيب محفوظ وحتى الآن نلمع مع سحرة المغرب. تمنيات.
