عبد الرحمن شلقم
وزير خارجية ليبيا ومندوب السابق لدى الأمم المتحدة الأسبق، وهو حصل على ليسانس الصحافة عام 1973 من جامعة القاهرة،وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة «الفجر الجديد»، ورئيس تحرير صحيفتَي «الأسبوع السياسي» و«الأسبوع الثقافي». كان أمين الإعلام وأمين الشؤون الخارجية في «مؤتمر الشعب العام». وسفير سابق لليبيا لدى إيطاليا. رئيس «الشركة الليبية - الإيطالية». مدير «الأكاديمية الليبية» في روما.
TT

مومياء تخرخوري الليبية... رميم ناطق

استمع إلى المقالة

مومياء «موهي جاج» واحدةٌ من أهم الاكتشافات الأثرية الحديثة. عُثر عليها في منطقة وادي تخرخوري في جنوب ليبيا. يقدَّرُ عمرُها بسبعة آلاف سنة. اكتشفت ما بين عامي 2003 و2006 خلال حفريات أثرية قادها عالم الآثار الأفريقية الإيطالي البروفسور سافينيو دي ليرنيا، الأستاذ بجامعة لاسابيينزا الإيطالية. المومياء طبيعية التحنيط، أي أن الجسد حُفظ بفعل الظروف الطبيعية، حيث البيئة الجافة، وليس عبر تقنيات التحنيط التي عرفتها مصر القديمة مثلاً. نُقلت المومياء إلى إيطاليا، وأجريت عليها دراسات استمرت لمدة 20 سنة، وأعيدت إلى ليبيا مؤخراً ووضعت بالمتحف الوطني الليبي بطرابلس. أجمع علماء آثار ما قبل التاريخ على أنها أقدم الأجساد المحنطة طبيعياً في التاريخ. كشفت تحاليل الحمض النووي الحديثة بقايا بشرية في موقع تخرخوري بجنوب ليبيا الغربي، عاشت في الصحراء التي كانت خضراء منذ آلاف السنين.

مومياء تخرخوري الليبية، التي أُعطيت اسم «موهي جاج»، تختلف عن المومياوات المصرية القديمة في أشياء جوهرية عدة، رغم أنها تشترك معها في أخرى، أهمها الحفظ الاستثنائي للأجساد لآلاف السنين. البروفسور الإيطالي فابريتزو موري، عالم الآثار والإثنوغرافيا، قضى سنوات طويلة يدرس ويبحث في الصحراء الليبية بمنطقة تدرارت وأكاكوس منذ خمسينات القرن الماضي. درس الرسوم والنقوش الصخرية لما قبل التاريخ، وكان أستاذاً للآثار بجامعة لا سبيينزا الإيطالية، وتولى فيها كرسي إثنولوجيا ما قبل التاريخ الأفريقي، أبرزت أبحاثه القيمة التاريخية لموقع أكاكوس، وتم تسجيلها في قائمة التراث العالمي بـ«اليونيسكو». كان البروفسور موري عاشقاً بل مهووساً بتلك المنطقة العجيبة في كل شيء. اندمج مع سكانها الطوارق، وتعلم شيئاً من اللغة الطارقية. ربطتني به علاقة صداقة وثيقة عندما كنتُ سفيراً لليبيا بروما، فأنا من جنوب ليبيا وأعرف منطقة أكاكوس وتدرارت وكاف الجنون، وزرتها مرات. كان موري عالماً موسوعياً يعيش في التاريخ القديم ويعيش فيه، ولا يمل الحديث عن تلك الدنيا التي لا يغادرها أو تغادره. أسس جيلاً من علماء آثار ما قبل التاريخ، تحديداً عن جنوب غربي ليبيا، وبرز من بينهم البروفسور سافينيو دي ليرنيا مكتشف المومياء الأسطورية. تكمن أهمية مومياء «موهي جاج» في منطقة تخرخوري في أنها تعود إلى زمن كانت فيه الصحراء الكبرى منطقة خضراء ممتلئة بالبحيرات والمراعي، وسكان المنطقة كانوا يمارسون الرعي، ولهم طقوس دفن متقدمة في زمنهم. عُثر بجانب المومياء على هياكل عظمية لأفراد من المجتمع نفسه، وكذلك بقايا مواشٍ وأدوات حجرية وعظمية وأوانٍ فخارية ونقوش صخرية، في منطقة تدرارت أكاكوس توثق الحياة اليومية في ذلك الزمن السحيق. تلك الاكتشافات تجعل من موقع تخرخوري أحد أهم المواقع لفهم تاريخ الإنسان في الصحراء الكبرى، قبل ظهور الحضارات القديمة في مصر ومنطقة ما بين النهرين. ذلك الاكتشاف التاريخي لم يكن نتاج جهد شخص واحد، بل شارك فيه فريق من العلماء، أبرزهم عالم الآثار الإيطالي الكبير ستيفانو بياجيتي.

خلصت الدراسات الأثرية العلمية الطويلة والعميقة إلى أن مومياء «موهي جاج» هي لطفل صغير كان عمره عند وفاته ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات، وقد وضع بعناية داخل لفافة من جلد حيواني، ودُفن في حفرة خاصة مما يدل على رسوخ طقوس جنائزية. أكدت الدراسات أن مومياء ذلك الطفل التي حنطتها الطبيعة، تعود إلى ما بين 6100 و5000 سنة قبل الميلاد، وتُعد من أقدم الأجساد البشرية التي عُثر عليها محنطة حتى الآن. في عام 2025 نشرت دراسة جينية مهمة للحمض النووي كشفت أن سكان منطقة تخرخوري القدماء ينتمون إلى سلالة شمال أفريقية قديمة لم تكن معروفة سابقاً، ويبدو أن هذه السلالة ظلت معزولة لآلاف السنين، مما جعلها أشبه بفرع مفقود من تاريخ شمال أفريقيا، والدراسات الجينية الحديثة التي أُجريت على بقايا من الموقع ركزت على امرأتين عاشتا قبل نحو 7000 سنة قبل الميلاد، وكانتا من مجتمعات رعوية، مما ساعد الباحثين على إعادة بناء جزء من تاريخ سكان الصحراء الكبرى القدماء. هناك ثلة من علماء الآثار يرون أن أهمية منطقة تخرخوري تتعدى، ما علمتنا إياه مومياء «موهي جاج»، بل

إنها تمثل نافذة نادرة على حياة البشر في ليبيا قبل ظهور الحضارات القديمة الكبرى بآلاف السنين، عندما كانت الصحراء الكبرى خصبة ومأهولة، وليست صحراء قاحلة كما هي اليوم.

التاريخ القديم في كل أرجاء الدنيا قوة حية هائلة تشد الإنسان إلى أعماق جذوره، وعلماء الآثار يهبون أعمارهم للتنقيب والدراسة، من أجل معرفة ما كان من حياة الأجداد. جسد صغير رميم حنطته الطبيعة في عمق الصحراء الليبية الجنوبية «موهي جاج»، استنطقه العشرات من علماء الآثار، ليقول لهم ما كان على الأرض من بشر وحياة. عالم الآثار الإيطالي الكبير فابريتزو موري وتلميذه العالم البروفسور سافينيو دي ليرنيا، ومعهما كوكبة من علماء الآثار، قرأوا لنا ما كُتب في جسد الزمان السحيق.