تبدو أفضل الكلمات لوصف اللحظات التي أعقبت توقيع الاتفاق الإطاري، بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ما فاه به المثقف الكبير أنطونيو غرامشي: «عند تشاؤم العقل يبقى تفاؤل الإرادة».
نجحت إرادة الجانبين، ولو مؤقتاً، في وقف سفك الدماء، وهدر الموارد، حتى وإن كان توقيع الاتفاق، عشية بدء مفاوضات سويسرا، مجرد رؤية إطارية لبداية مسيرة طويلة، مملوءة بالتفاصيل التقنية المعقدة.
ربما هي الخطوة الأولى التي تسبق الألف ميل، في العلاقات ما بين الولايات المتحدة التي حافظت حتى الساعة على رؤيتها المؤدلجة لإيران من جهة، والتغير الخاضع للتجربة في الجانب الإيراني، وما إذا كانت تتعاطى بمصداقية للوصول إلى لحظة مفصلية لإنهاء صراعات خمسة عقود.
يخطر لنا أن نتساءل: من هو بطل الرواية الأميركية - الإيرانية المعاصرة، والتي قد يكون الأمس هو أحدث وأهم فصولها؟
ربما يبدو الجواب صادماً بعض الشيء؛ ذلك لأن الفاعل الحقيقي في المشهد، هو الرئيس دونالد ترمب نفسه، وغالب الظن أن ما مكّنه من هذا الطريق الواسع، والذي يأمل الرجل من خلاله أن يكون طريقاً للسلام، هو عقليته غير المؤدلجة سياسياً، بل الأقرب إلى السياسات الواقعية، منها إلى المثالية.
على مدى قرابة خمسة عقود، كانت إيران في نظر الرؤساء الأميركيين، عطفاً على الوعي الجمعي للأمة الأميركية، هي العدو الذي لا بد من مقارعته، والانتصار عليه، أو احتوائه على الأقل، وهذا ما سعى إليه باراك أوباما في اتفاق عام 2015؛ إذ لم يجرؤ على الاقتراب من فكرة تطبيع العلاقات، أو فتح مسار جديد من السلام مع الدولة الإيرانية.
بدا الرئيس ترمب، وعن حق، الوحيد من بين رؤساء الولايات المتحدة منذ عام 1979، من امتلك الجرأة على التغيير الحقيقي، في العلاقات الأميركية – الإيرانية، رغم محاولته العسكرية الأخيرة.
يبدو العالم، وليس منطقة الخليج العربي، أو الشرق الأوسط، أمام إرادة غرامشية حقيقية، وهذا ما سطره عبر موقعه، «تروث سوشيال» قبل أيام، وبما يتجاوز مجرد التوقيع الأولي، ويمتد إلى مفاوضات الستين يوماً.
كتب ترمب يقول: «سيجلب الاتفاق العظيم السلام والأمن للمنطقة بأسرها. لقد حاول الكثير من الرؤساء إحلال السلام مع إيران، وفشلوا جميعاً قبلي».
يقول الراوي الأميركي، إن سيد البيت الأبيض مغرم إلى أبعد حد، بصيغة أفعل التفضيل، وقد يكون هذا صحيحاً بالفعل في العموم، وربما من باب البلاغة الكلامية، لكن في حال نجاحه عبر المفاوضات القادمة، وتصفير الأزمات الأميركية - الإيرانية، ووضع حد متفق عليه لنهاية الخلافات الإيرانية في جوارها الإقليمي، سيكون ولا شك ترمب القيصر الأميركي، الذي يمكن أن يكتب اسمه وعن جدارة في سجل القياصرة الأميركيين، الذين تناولهم المؤرخ البريطاني الشهير نايجل هاملتون في مؤلفه الشهير.
ما الذي يمكن أن تضفيه نجاحات الاتفاق الإطاري القادم على العلاقة الأميركية - الإيرانية؟
باختصار، تعمل هذه العلاقة على تحويل طهران من عدو آيديولوجي للولايات المتحدة، إلى شريك محتمل، ضمن رقعة شطرنج إدراكية لعالم قادم، مغاير شكلاً وموضوعاً عما شهدته البشرية خلال نهايات القرن الماضي.
خلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد في مدينة إيفيان بان لي الفرنسية، على هامش قمة مجموعة السبع، وبالشراكة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بدا الرئيس ترمب، وكما يقول الكاتب الأميركي الشهير ديل كارنيغي، متودداً بالصفات والخصال الحميدة في الأخرى، وبالتاريخ السابق لقيام الثورة الإيرانية. «كانت علاقتنا جيدة جداً مع إيران»، هكذا تحدث الرئيس ترمب، والذي خشي القاصي والداني من أن تتحول مواجهته مع إيران، من صراع عسكري محدود، إلى انفلاش عالمي خارج حدود المعقول والمقبول.
قبل ذلك بنحو أسبوع كان ترمب قال لشبكة «إن بي سي نيوز» الأميركية: «أجدهم عقلانيين وأذكياء»؛ الأمر الذي يفتح الباب لتساؤل استقصائي: هل وُجد في أي وقت مضى طوال العقود الخمسة الماضية، رئيس أميركي، سابق على ترمب، امتلك ناصية الشجاعة ليصف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمثل هذا الوصف؟
المؤكد أنه لم يوجد، حتى أوباما، ورغم ما حاوله جاهداً في ولايتيه، لم يتجاوز هذه العتبة، أي الاقتراب من إنهاء الخلاف المصيري، والتطلع من ثم إلى مستقبل تعاوني تشاركي، من دون فوقية إمبريالية أميركية، أو تصرفات إيرانية عدائية.
لكن، وللواقعية، لا يزال الطريق مملوءاً بالعقبات، لا سيما في ظل أصوات دعاة الحرب على الجانبين، وعليه يبقى المسار الذي افتتحه ترمب وبجدارة مسيرة واقعية تدعو إلى إرادة التفاؤل لا التشاؤم. هل يقترب ترمب من نوبل للسلام؟
