د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

جمهور الإعلام... حقيقة تفضحها النقرات

استمع إلى المقالة

من أغرب مفارقات البيئة الإعلامية المعاصرة أن الجمهور يظهر كشخصين مختلفين في آن واحد؛ شخص يتحدث إلى الباحثين، وشخص آخر يجلس أمام الشاشة. الأول يعلن بإخلاص أنه يريد صحافة دقيقة وموضوعية ومتوازنة، وأنه يفضل الأخبار القائمة على التحقق والوثائق، وأنه ينفر من الإثارة والانفعال. أما الثاني، فيمنح وقته وانتباهه للمحتوى الأسرع والأكثر استفزازاً وإثارة. وبين الشخصين تتسع فجوة تكاد تفسر جانباً كبيراً من الاضطراب الذي يعيشه الإعلام في عصر المنصات.

ولسنوات طويلة ظن كثيرون أن تراجع الصحافة المهنية يعني ببساطة أن الجمهور لم يعد يُقدّر قيمها التقليدية، غير أن نتائج البحوث الجادة جاءت أكثر تعقيداً من هذا الاستنتاج، فهي تكشف أن أغلبية الناس لا تزال تعلن تمسكها بالدقة والحياد والشفافية، بوصفها المعايير التي ينبغي أن تحكم العمل الصحافي. لكن البيانات الرقمية التي تسجل السلوك الفعلي ترسم صورة مختلفة تماماً؛ فما يجذب الانتباه ليس دائما ما يحظى بالإعجاب، وما يستهلكه الناس ليس بالضرورة ما يقولون إنهم يفضلونه.

هذه المفارقة ليست جديدة في العلوم الاجتماعية. فقد أثبتت دراسات كثيرة أن الإنسان لا يجيب دائماً بما يعكس سلوكه الحقيقي، بل بما يعتقد أنه يقدم «صورته المثالية» أمام الآخرين؛ ويسمي الباحثون ذلك «تحيّز الرغبة الاجتماعية». فالناس يميلون إلى تقديم أنفسهم باعتبارهم أكثر عقلانية وأكثر التزاماً بالقيم المقبولة اجتماعياً على عكس ما تكشفه اختياراتهم اليومية. ولذلك، فإن الإجابة عن سؤال من قبيل «ما نوع الصحافة التي تفضلها؟» تختلف كثيراً عن مراقبة ما يختاره الشخص عندما يتصفح هاتفه في لحظة فراغ أو انفعال.

وتكشف نتائج أحدث الدراسات أن الثقة لا تزال ترتبط في أذهان الجمهور بالدقة والاستقلالية والإنصاف. لكن الدراسات نفسها تظهر أن النمو الأكبر في استهلاك الأخبار يتجه نحو الفيديوهات القصيرة ومنصات المؤثرين والمحتوى الشخصي، الذي يقوم في كثير من الأحيان على الرأي والانفعال أكثر مما يقوم على المعايير الصحافية التقليدية. وهكذا يصبح الخطاب الذي يراه الجمهور أقل مهنية هو نفسه الخطاب الذي يحصل على النصيب الأكبر من الانتباه.

ولا يعود ذلك إلى تغير مفاجئ في القيم بقدر ما يعود إلى اختلاف آليات الاختيار. فالاستبيان يمنح الإنسان وقتاً للتفكير فيما ينبغي أن يكون عليه. أما المنصة الرقمية فتخاطب غرائزه الإدراكية في لحظة خاطفة. إنها تكافئ الفضول قبل الحكمة والانفعال قبل التأمل والجدة قبل العمق. ولذلك، فإن المنافسة لم تعد تدور بين الحقيقة والزيف بقدر ما أصبحت تدور بين ما يجذب الانتباه وما يتطلّب جهداً ذهنياً أكبر.

وقد كشفت دراسات في علم النفس المعرفي أن المحتوى المثير للمشاعر السلبية أو الدهشة أو الغضب يحظى باحتمالات أعلى للمشاركة والانتشار. وليس معنى ذلك أن الجمهور يحب التضليل أو يرفض الحقيقة، وإنما يعني أن الدماغ البشري يستجيب تلقائياً للمثيرات، التي تبدو أكثر ارتباطاً بالبقاء والانتباه. وعندما تتولى الخوارزميات تعظيم هذا الميل الطبيعي تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ويصبح المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر حضوراً حتى وإن ظل الناس يؤكدون في الاستطلاعات أنهم يفضلون غيره.

وهنا تظهر معضلة خطيرة أمام المؤسسات الصحافية؛ فإذا انحازت بالكامل إلى ما يطلبه الجمهور في الاستبيانات، فقد تخسر المنافسة على الانتباه. وإذا انزلقت إلى ما يكافئه اقتصاد المنصات فقد تخسر هويتها المهنية. ولذلك، فإن النجاح الحقيقي لا يكمن في التضحية بالقيم، ولا في تجاهل الواقع، بل في إنتاج صحافة مهنية تعرف كيف تقدم الحقيقة في قالب جذاب دون أن تتخلى عن التحقق أو التوازن أو السياق.

ومن الخطأ أيضاً أن ننظر إلى الجمهور بوصفه كتلة واحدة متناقضة. فالفرد نفسه قد يكون مواطناً عقلانياً حين يجيب عن الاستبيان، ومستهلكاً تلقائياً حين يفتح هاتفه. في الحالة الأولى يبحث عما يعتقد أنه يخدم المصلحة العامة، وفي الثانية يستجيب لما يحقق له الإشباع الفوري. ولذلك، فإن التناقض ليس بين جمهورين مختلفين، وإنما بين وظيفتين نفسيتين تتعايشان داخل الإنسان الواحد.

ولعل الدرس الأهم الذي تفرضه هذه النتائج أن مؤشرات الانتشار لا تصلح وحدها مقياساً لجودة الصحافة، كما أن الاستبيانات لا تكفي وحدها لفهم طبيعة الجمهور. فالحقيقة توجد في المسافة بين ما يقوله الناس وما يفعلونه. ومن يفهم هذه المسافة يستطيع أن يدرك لماذا تبقى قيم الدقة والموضوعية والحياد محل إجماع علني تقليدي، بينما تستمر المنصات الأكثر إثارة في حصد النصيب الأكبر من المشاهدة والانتباه. إن الجمهور لا يكذب بالضرورة حين يجيب عن سؤال الباحث، ولا يخون قناعاته حين ينقر على المحتوى المثير. لكنه يكشف، في كل مرة، وجهاً مختلفاً من طبيعته. وبين الوجهين تتشكل الخريطة الحقيقية للإعلام المعاصر.



عاجل هزة أرضية يشعر بها سكان العاصمة المصرية القاهرة