خالد البري
إعلامي وكاتب مصري. تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة، وعمل منتجاً إعلامياً ومراسلاً سياسياً وحربياً في «بي بي سي - عربي»، وغطى لحسابها «حرب تموز» في لبنان وإسرائيل، وعمل مديراً لمكتبها في العراق. وصلت روايته «رقصة شرقية» إلى القائمة النهائية لـ«بوكر العربية».
TT

إيران... استراتيجية الحلزون المخروطي

استمع إلى المقالة

الحلزون المخروطي لا يقتل فرائسَه بل يحقنها بمادة تشلُّها ويتغذى عليها حيَّةً، كأنَّها تحت تخدير كلي. وهذه استراتيجية إعلامية قديمة: لا تهزم خصمَك في النقاش بل امنعه من دخوله. إيران استخدمت هذه الاستراتيجية مبكراً، بكتيبة من الإعلاميين تحمل لخصومها تهمتين محددتين: الطائفية والتصهين. وروَّجت لهذا.

استخدمت اتهام الطائفية للإيحاء بأنَّها بريئة من عدوانيتها، لكن خصومها ينتقدونها بدوافع مذهبية. والمفارقة أن هذا مكَّنها من ممارسة أشد السياسات طائفية، ومن شحن جمهورها وإشعارهم أنهم مستهدفون. وكان أداةً أسكتت قطاعاً كبيراً من خصومها في الصراعات السياسية الداخلية في لبنان وسوريا والعراق، ولا سيما فئة المثقفين.

لكن بالنسبة للخصوم الذين يتجاوزون هذا الاتهام، ويحتاجون إلى جرعة أكبر، فإن اتهام التصهين أنجع وأكثر قابلية للرواج. رفع شعار القضية الفلسطينية مكَّن إيران من إقحام إسرائيل في كل نقاش يتناول سياستها، ومن خلق إطار تحبس داخله منتقديها، أفراداً وأحزاباً ومؤسسات. استخدمت هذا الاتهام في تقويض سلطة الدولة في لبنان، وتقويض السلطة الفلسطينية، واستهداف زعامات سياسية. كما نجحت به الأصوات الموالية لها في تضليل الرأي العام في عموم المنطقة، وقبول الضَّرر على أنَّه نفع، أو مساهمة ضئيلة في المجهود الحربي للمقاومة.

حتى في مصر، رغم أن تمدد النفوذ الإيراني عبر حماس أثر على الأوراق المصرية في مسار الصراع، برر قطاع كبير من الرأي العام المصري هذا التمدد. وحمل اتهام التصهين في وجه من حذَّر منه وعارض تفاصيله. وحين هدَّد الحوثيون الملاحة في قناة السويس، مرَّ الموضوع وكأن الاقتصاد مجرد خسارة جانبية مقبولة. فإن عارضت سلوك ميليشيات الحوثيين فكان الاتهام جاهزاً، التَّصهين.

بعد الهجوم بمسيرة على منشأة للغاز في دمياط، كان السلوك الإعلامي من أنصار إيران أكثر تبجحاً. قطاع كبير من المصريين ينتظر نتيجة التحقيقات، ويتفهم التعقيدات السياسية. لكن هذا لا يمنع من كون إيران أو جماعة تابعة لها ضمن قائمة المشتبهين. وخلال ساعات تحول مجرد الاشتباه في إيران إلى تصهين، واصطفاف إلى جانب إسرائيل. وأضيف إليه منطق يدعي أن إيران ليس لها مصلحة في استفزاز مصر، وأنَّها حريصة على تجنب الداخل المصري. وهو ادعاء لا تدعمه الوقائع، فقد سبق أن ضبطت مصر خلية تابعة لحزب الله. وسبق لحزب الله أن جنَّدَ من اقتحم السجن وهرَّب أفراد الخلية إلى لبنان. ولم يبق الأمر سرّاً، بل أعلنه في مؤتمر إعلامي مفتوح. واللوم هنا لا يقع على من يستخدم استراتيجية حقنة الشلل، فهو يسعى خلف مصلحته. اللوم الأكبر على من لا يحصّن نفسه منها، بل يمهد لها الطريق.

داخل مصر هناك من يتكلم بلسان ناصر ويتصرّف على طريقة السادات، ويروّج لهذا على أنه خطة محكمة وتكتيك لا يبارى. لكنَّه يحول إسرائيل إلى نقطة رخوة تفتح الباب للخصوم. والسياسة غابة، كل من فيها يطور أساليب دفاعه وهجومه. والحلزون المخروطي لا ينتصر لأنه الأقوى، بل لأنه يعرف أين يغرس مخالبه.