يوسف الديني
باحث سعودي ومستشار فكري. درس العلوم السياسية والإسلاميات التطبيقية، وعمل بالصحافة منذ عام 1999، وكاتب رأي في «الشرق الأوسط» منذ 2005، له كتب وبحوث ناقدة لجذور الإرهاب والتطرف والحركات والمنظمات الإرهابية في المنطقة. كتب عشرات الأبحاث المحكمة لمراكز بحثية دولية، ونشرت في كتب عن الإسلام السياسي والحاكمية والتطرف ومعضلة الإرهاب، وساهم بشكل فعال في العديد من المؤتمرات حول العالم.
TT

البقاء للأكثر استقراراً

استمع إلى المقالة

الشرقُ الأوسط منذ الحربِ العالمية الثانية ظلَّ مختبراً للقوة والقلاقل وتعطلت فيه التنمية التي سببتها الحروب المتتالية. فهذا الجزء من العالم علاقتُه بالحروب معقدة. وعلى الرغم من هذا ظلت فكرة تغيير الخرائط، رغم تكرارها مؤخراً والتلويح بها في الأزمات الكبرى، مستعصيةً على الغزاة ومشاريع التجريب والهيمنة بالقوة أو بناء الأذرع والاستثمار في الميليشيات.

المنطقة اليوم أمام لحظة حاسمة ومشروعين متقابلين في الظاهر، متشابهين في الجوهر. إسرائيل، منذ 1948 وبشكل أعمق بعد حرب 1967، ربطت أمنها ونموذجها بالسيطرة والاحتلال الممنهج وفرض الوقائع على الأرض، مستندة إلى قوة عسكرية وتكنولوجيا فائقة. ثم تحولت هذه القوة القسرية من أداة دفاع إلى وسيلة لإدارة الاحتلال وتكريس الواقع الجغرافي بمنطق القوة، واستبدال منطق ردع لا يتوقف بمحاولات التسوية.

وفي الضفة الأخرى، بنت إيران منذ ثورة 1979 مشروعَها بطريقة مختلفة؛ لا تعتمد على التوسع المباشر، بل على الاستثمار في الوكلاء. وبعد حربها الطويلة مع العراق، ثم سقوط بغداد عام 2003، أدركت أنَّ الفوضى أقل تكلفة وأكثر فاعلية من الاحتلال المباشر، فمدت نفوذها عبر كيانات ما دون الدولة والميليشيات في لبنان والعراق وسوريا قبل سقوط نظام الأسد واليمن، ظناً منها أن اختراق الدول المحيطة إضعاف لها، بينما كان في الحقيقة إنهاكاً لإيران نفسها، انعكس على الداخل وظهر في احتجاجات قاسية كادت غير مرة أن تمسّ النظام.

العداء الصريح بين إيران وإسرائيل لا يمنع هذه المقارنة على مستوى الاستراتيجية؛ فائض القوة في تل أبيب، وفائض الوكلاء في طهران، كلاهما يسعى إلى تحويل الدول غير المستقرة إلى ساحات تفاوض وضغط، والنتيجة واحدة: دول أقل استقراراً، أكثر هشاشة، وأقرب إلى الانفجار.

في المقابل، هناك طريق ثالث يجني اليوم ثمرة مقاربته المختلفة عبر الاستثمار في الداخل، ويبرز هنا النموذج السعودي الذي وسع مفهوم القوة ليشمل الاستقرار والتنمية والاستثمار في المواطن على اعتبار أنَّها أهم أسلحة أساس القوة الصلبة. لذلك سعت الرياض، إلى جانب تفوقها الدفاعي، لبناء قوة مستدامة تقوم على الاقتصاد المتنوع، ودولة الرفاه والكفاءة، المسنودة بمجتمع حيوي لديه مناعة صلبة حيّرت الخصوم في تصديه لحملات الاستهداف والتضليل.

النموذج السعودي لم يتجاهل الأمن والحزم؛ فقد استثمرت الرياض في تطوير قدراتها الدفاعية، وتوطين الصناعات، وحماية الطاقة والمدن والمنشآت الحيوية، وأرسلت أكثر من مرة رسالة واضحة بأنها لا تتساهل مع أمنها. لكنها في الوقت نفسه اختارت ألا تُجر إلى حروب لم تخترها. وعلى مدى التاريخ السعودي، لم يكن الاستفزاز مؤثراً في سياستها، بل كانت تثبت ذلك الخيط الرفيع بين الردع المسؤول والاندفاع العسكري، بما يعكس عراقة وتقاليد بيت الحكم.

والحال أن سلاح التنمية نجح مراراً في التاريخ الحديث؛ جربته ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وكلها صنعت تجربتها عبر الاستقرار والتعليم والصناعة والانفتاح على العالم. وفي المقابل، يحفل التاريخ بدول تآكلت مشاريعها الوطنية بسبب خطاب آيديولوجي فشل في إنتاج منطق الدولة.

في إيران اليوم أصوات إصلاحية تدرك خطورة الاستثمار في التصعيد. كتب محمد علي أبطحي، نائب خاتمي والإصلاحي المعروف، مقالاً لافتاً حول ضرورة مد اليد إلى دول الخليج من أجل نمو المنطقة ومصلحة شعوبها، مؤكداً أن تحويل الخليج إلى ساحة ضغط يضر بإيران أكثر مما يضر بجيرانها، الذين سيبقون في نهاية المطاف حين ينتهي أوار الحرب.

السعودية تراهن على معادلة أثبتت نجاحها: تنمية تحميها القوة، ومصالح وطنية ترعاها دبلوماسية متفوقة، مسنودة باقتصاد صلب، ووحدة مجتمعية، وتحالفات متنوعة. لذلك صار هذا المزيج السعودي قصة استقرار فريدة، تؤكد أن الاستقرار في المفهوم السعودي، ولدى دول الاعتدال، عامل قوة مضاعف؛ لا يحمي الداخل فقط، بل يحول التنمية إلى نموذج إقليمي يؤكد يوماً بعد يوم أن البقاء للأكثر استقراراً.



عاجل مونديال 2026: فرنسا إلى دور الـ32 بثنائية جديدة لمبابي في مرمى العراق