فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

طوفان «التيك توك» وسجالات «التقنين»

استمع إلى المقالة

شهدنا عبر الشهور الماضية ملحمة الـ«تيك توك» القانونية؛ سجالاتٌ في عددٍ من الجلسات البرلمانية بالدول العربية والإسلامية من إندونيسيا إلى المغرب.

تجلّى النقاش على هيئة صراعات واتهامات، حيث تشابكت أطروحات الأفكار الاقتصادية، مع التطاحن السياسي الآيديولوجي، ينضافُ إليه التزاحم على النقاش الأخلاقي والتربوي، وبخاصة لجهة التأثير السريع على المتلقي بحكم سهولة استعمال التطبيق وعنصر التسلية التي يمنحها لكل الأعمار.

والحقّ أن موضوع التقنيات وحمولتها الأخلاقية نقاشها قديم، سواء على مستوى التقنيات العسكرية، أو الطبية، والهندسية، أو التقنيات التواصلية التي أدمنها الإنسان اليوم. والنقاش عن «تيك توك» والقيم يوحي إليك وكأن شبكة التطبيقات كلها مكتبات، وفلسفات وتراتيل، بينما تتضمن في جوفها كل شيء، بما في ذلك التشوّه الذي وصلت إليه الإنسانية. ووصفها بالتشوه لا يعني ضرورة منعها، وإنما أعني أنها تشبه ناقديها، لأنهم ينتقدون الشيء ويستعملونه ويدمنونه؛ من هنا أظنّ أن النقاش حول الموضوع بواقعية راهنة أكثر حيوية من التنظير حوله بمثالية مستحيلة.

من هنا أقترح أن نناقش مفهوم «القيم» بالمعنى الفلسفي، ويمكن الإحالة لأفكارٍ مهمة في موسوعة «ستانفورد»، حيث درست وحللت «فلسفة التقنية» بمبحثٍ كتبه كلٌ من: مارتن فرانسين، وغيرت جان لوخرست، وآيبو فان بول، وترجمه مالك آل فتيل.

تشير الموسوعة إلى أنه «لطالما كانت المسؤولية موضوعاً رئيسياً في أخلاقيات التقنية. ومع ذلك، كانت الفلسفة التقليدية وأخلاقيات التقنية تميل إلى مناقشة المسؤولية بعبارات عامة، وكانت متشائمة إلى حد ما بشأن إمكانية تحميل المهندسين المسؤولية عن التقنيات التي طوروها. وصف (إلول) على سبيل المثال، المهندسين بأنهم كبار كهنة التقنية، الذين يعتزُّون بالتقنية ولكن لا يمكنهم توجيهها. جادل هانز جوناس بأنَّ التقنية تتطلب أخلاقاً تكون المسؤولية هي الإلزام المركزي فيها، لأنَّنا لأول مرة في التاريخ أصبحنا قادرين على تدمير الأرض والبشرية.

وأهم ما في المبحث انتقاد بعض الكتب لـ«كثرة التركيز على المخاطر في أخلاقيات التقنية، فبعضهم يرى أننا غالباً ما نفتقر إلى المعرفة لتقييم أخطار التقنية الجديدة بشكل موثوق قبل أن تدخل حيز الاستخدام. غالباً ما نعرف احتمالية حدوث خطأ ما، وأحياناً لا نعرف، أو على الأقل لا نعرف تماماً، ما الذي قد يحدث وما هي العواقب السلبية المحتملة. للتعامل مع هذا الانتقاد اقترح بعضهم تصور إدخال التقنية الجديدة في المجتمع باعتبارها تجربة اجتماعية، وحثوا على التفكير في الظروف التي تكون فيها مثل هذه التجارب مقبولة. هناك مجال آخر من الانتقادات ينص على أن التركيز على المخاطر أدى إلى تقليل تأثيرات التقنية التي أُخِذت في الاعتبار فقط كالتأثيرات المتعلقة بالسلامة والصحة، بينما تم تجاهل التأثيرات الأخرى، ذات الطبيعة الاجتماعية أو النفسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجفيف التقييم الأخلاقي للتقنيات الجديدة».

نعم؛ إنه الطوفان، لقد أشارت الدراسات الأخيرة إلى أنَّ 40 في المائة من «جيل زد» يستخدم الآن موقعَي «تيك توك» و«إنستغرام» في عمليات البحث.

الخلاصة، أنَّ النقاشات حول «تيك توك» أخذت منحى قوياً لوضع التطبيق ضمن المعايير الأخلاقية، والدراسة القيمية. لا شك أنَّ التنازع على الدنيا قلل من حضور القيم في الحياة اليومية، حتى وصف البعض النقاش في القيم له سحره مثل النقاش في الوجود، ولكن كل ذلك لا يعني أن نتعامل مع التطبيقات بوصفها وسائل تربوية، بل هي شظايا تأتي ضمن التسليع العام للأفكار والوقت والأشكال والأنماط، وهذا موضوع إشكالي يطول شرحه، ويبقى السؤال هل يمكن للتقنين أن يقاوم هذا الطوفان كما في نقاشات وسجالات كل برلمان؟ أم أن الأمر خرج عن السيطرة؟ وهل يحلّ التوجيه والإرشاد والتوعية مكان التنظيم والتقنين؟ هذه مهمة المتخصصين بعلوم المجتمع والتقنية والقانون.



عاجل أميركا وإيران وقعتا إلكترونيا يوم الأربعاء مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب ودخلت حاليا حيز التنفيذ