كاثرين توربيك
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

الذكاء الاصطناعي بين إعادة التدريب وتحسين المهارات

استمع إلى المقالة

لا أحدَ يعلم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي، سيتسبب في فقدان الوظائف الإدارية (لأصحاب الياقات البيضاء) على نطاق واسع أم لا. لا تزال رسائل التحذير الأكثر صخباً، تأتي من أشخاص يصنعون ويبيعون التكنولوجيا، والذين يتضاعف حجم توقعاتهم كثيراً من قبيل المبالغة، أو غطاء لخفض التكلفة باستخدام لغة مألوفة للمستثمرين. وليست توقعات وتنبؤات المراكز البحثية والمحللين أقل منها إثارة للدوار.

الإجابة الصادقة أن فجوات البيانات الحالية تدفعنا جميعاً للتكهنات. مع ذلك نعلم جيداً النص الذي بدأ يطفو بالفعل تدريجياً على السطح، مع بدء ازدياد وتيرة عملية الإحلال من خلال عبارات مثل «إعادة التدريب» و«تحسين المهارات»، والمصطلحات اللغوية الجوفاء المستخدمة لجعل عملية الإحلال مقبولة سياسياً. ولا ينبغي لنا أن نسمح لذلك بأن يصبح الكذبة المريحة المقبلة، أو طريقة لبيع المستقبل مع التخلي عن الأشخاص المجبرين على تحمل تلك المعاناة.

ولا ينبغي لواضعي السياسات وقادة التكنولوجيا انتظار حدوث اضطرابات واسعة النطاق، وينبغي لهم كذلك التوقف عن التظاهر بأن إعادة التدريب، في حقيقته، أكثر من مجرد شعار. لقد خاضت أميركا بالفعل هذه التجربة بعد تراجع التصنيع. وجاءت خسائر الوظائف الصناعية مركّزة نسبياً، ومع ذلك استشرى الضرر بين العائلات والمجتمعات والسياسة لأجيال. وقد كان العائد من سياسات إعادة التدريب خلال هذه الحقبة، ضعيفاً على أفضل تقدير.

الملاحَظ أن الحجة الداعية إلى التفاؤل ترى أن الذكاء الاصطناعي سيوفر، نهاية المطاف، وظائف جديدة لا يمكننا تصورها الآن، مثلما فعلت الثورات التكنولوجية السابقة. ومع ذلك، لن نصل إلى تلك النقطة أبداً، إذا تجاهل واضعو السياسات ما تطلق عليه مولي كيندر، زميلة رفيعة المستوى في معهد بروكينغز، «المرحلة الوسطى الفوضوية»، أي الفترة الواقعة بين التبني الصعب المتعثر للذكاء الاصطناعي حالياً، والأرض الموعودة حاملة الوفرة فيما بعد الذكاء الاصطناعي العام. وكثيراً ما يروق لقادة التكنولوجيا هذا الطرح اليوتوبي الذي يعد بالمدينة الفاضلة، لكن ربما يثور العامة قبل فترة طويلة من تحقق هذا الوعد. وسياسة إعادة التدريب، كما تشير كيندر، «لطالما كانت من أسوأ فئات وأشكال التدخل في سوق العمل».

على الجانب الآخر، فإن نطاق التضرر المحتمل للعمل والوظائف يفوق بكثير ما حدث في حقبة انحسار التصنيع. وترجح «بلومبرغ إيكونوميكس» تضرر 27 في المائة من العمال في اقتصاديات الدول المتقدمة، أي أكثر من 120 مليون شخص، بشكل كبير من الذكاء الاصطناعي. ولا يعني ذلك تسريح جميع العاملين، لكنه يشير إلى اضطراب محتمل واسع النطاق.

من جهتهم، يسعى قادة الأعمال بالفعل وراء إعادة التدريب، وقال نحو ربع الرؤساء التنفيذيين خلال استطلاع أُجري حديثاً، إن أكثر من نصف العاملين لديهم سيحتاجون إلى «تحسين مهارات». وانتشرت خلال الشهر الماضي تعليقات رئيس أحد المصارف عن إحلال الذكاء الاصطناعي محل «رأس المال البشري منخفض القيمة». واعتذر بعد الهجوم عليه، واستدعى الوعد المتكرر بتدريب العاملين. والآن، ما الذي يعنيه ذلك؟ تأتي الإجابة في كثير من الأحوال غامضة بشكل يثير الجنون. ويصف تحليل حديث من شركة «راند ستاد» لاستشارات الموارد البشرية، مجموعة المهارات المستقبلية بأنها «إجادة الذكاء الاصطناعي»، إضافةً إلى «قدرات يتفرد بها البشر»، مثل الذكاء العاطفي والإبداع وحل المشكلات والتفكير النقدي والحكم الأخلاقي. الجزء الأول واضح، ويدور حول حاجة العاملين إلى معرفة كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، أما الجزء الثاني فيبدو مثل قائمة بصفات مرغوب فيها لا خطة انتقال بالنسبة إلى عمال مسرّحين.

أما داخل مجال التكنولوجيا، فالإجابات الافتراضية المعتادة، التي لا تخلو من غطرسة، هي «الدخل الأساسي العالمي» أو «تعلّم مهنة». وربما يكون العمال اليدويون (أصحاب الياقات الزرقاء) أقل عرضة للتضرر من الذكاء الاصطناعي التوليدي، حسب تقديرات كلٍّ من شركتَي «أنثروبيك بي بي سي» و«أوبن إيه آي». ومع ذلك، تظل كلتا الإجابتين غير مكتملة. يتطلب الدخل الأساسي العالمي، ثقة في قيام واضعي السياسات بترسيخ عملية إعادة توزيع لا تختزل المواطنين في دور المستهلك. وتحمل عبارة «تعلّم مهنة» الأصداء نفسها لعبارة «تعلم التشفير».

على الجانب الآخر، لن يبقى الناس دون عمل. ما شهدناه من جنون «أوبن كلو» (مساعد ذكاء اصطناعي شخصي) في الصين، في وقت مبكر من العام الحالي، يوضح الإخفاق في تحسين المهارات، كما حدث في حالة تبني البرامج التي تتصرف باستقلالية. يتخذ القلق في الولايات المتحدة الأميركية شكلاً معارضاً، متجلياً في احتجاج المجتمعات المحلية على مراكز البيانات. يمثل الأمران نسخاً من الغريزة نفسها، فالناس يرون المستقبل يجري بناؤه من حولهم، بينما يحاولون هم استعادة زمام الأمور. وهناك طرح متفائل آخر يستند إلى مقال مؤثر لأليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في جامعة شيكاغو، يسأل فيه: «ما الذي سيكون نادراً؟» إذا جعل الذكاء الاصطناعي المهام المعرفية زهيدة الثمن، ستصبح العلاقات الإنسانية أكثر قيمة. وعندئذٍ قد تحظى مجالات مثل التعليم، ورعاية المسنين، والعمل الاجتماعي، وغيرها من وظائف «قطاع العلاقات» التي تتطلب عنصراً بشرياً، بعوائد أعلى.

ربما، لكن تلك هي تحديداً القطاعات التي يبخس كثيرٌ من المجتمعات قدرَها. إذا كان واضعو السياسات يريدون تحويلها إلى عمل مستقبلي يتلقى مؤدوه أجوراً كبيرة، فعليهم الاستثمار الآن في تمويلٍ أكبر للرعاية ومجال التعليم، وبذل مجهود أكبر من أجل رفع الأجور للمرتبطين بتلك الوظائف. كما يفترض ذلك أن كثيراً من الناس سيفقدون وظائفهم أولاً.

يجب أن تعطي أي سياسة جادة خاصة بإعادة التدريب، العمل موضعاً على جدول الأعمال. ومن الكسل افتراض أنَّ العاملين مناهضون للتكنولوجيا، فكثيراً ما يقول قادة الاتحادات العمالية إنه في حال جعلت التكنولوجيا الوظائف أكثر أمناً وأسهل، فإن العمال سيدعمونها بالتأكيد. ما يريدونه أن تكون لهم كلمة في كيفية استخدامها. في النهاية، تحتاج الفترة الانتقالية إلى ما هو أكثر من الراحة الزائفة لتحسين المهارات. ومن هنا، يمكن لواضعي السياسات التركيز على التأمين الخاص بالانتقال، والاستثمارات الحكومية المستهدفة في مجال الرعاية والتعليم، أو خطة لتقاسم مكاسب الإنتاجية، إذا ما تحققت الوفرة التي يعد بها الذكاء الاصطناعي. يمكن للعاملين التكيف، فالبشر يتمتعون بسعة حيلة لا نهاية لها. تكمن المخاطرة في أن يصبح «تحسين المهارات» العذر، الذي يجعل البطالة الجماعية واسعة النطاق مقبولة وسائغة سياسياً، لتكون بذلك خطأ الضحية بالأساس. إذا كان يتم التشدق بذلك كجسر يقود نحو مستقبل الذكاء الاصطناعي، فيجب أن يقود إلى مكان ما، وإلا فهو مجرد لافتة إرشادية على حافة هاوية.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»