مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

الزعيم كيم و«شيخ الجبل سنان»

استمع إلى المقالة

استقبل زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون لاعبات فريق «نايغوهيانغ» النسائي من كوريا الشمالية بعد فوزهن باللقب القارّي على فريق طوكيو الياباني.

إلى هنا والخبر عادي، لكن غير المعتاد بالنسبة لبقية العالم هو منظر اللاعبات وهن بحالة بكاء، وانفعال هستيري، وانهيار أثناء لقائهن بالزعيم كيم.

مشاهد الهوس من النساء والرجال والكبار والصغار بالزعيم الكوري، والانخراط في البكاء، والوجوه المندهشة، حالات معتادة في بلاد كوريا الشمالية التي تحكمها عائلة كيم منذ حكم جدّه كيم إيل سونغ البلاد وقت تأسيسها عام 1948 حتى وفاته عام 1994.

إنها تربية قائمة على ظاهرة معروفة باسم Cult of Personality «عبادة الشخصية»، وهي سياسة مُمنهجة منذ عقود في كوريا الشمالية، في التعليم، والإعلام، والثقافة، والشارع، والمنزل، ولها مظاهر كثيرة.

نرى الهوس بمشاهير الفن، والرياضة، مثل مايكل جاكسون، أو تايلور سويفت، أو كريستيانو رونالدو وميسي مثلاً، وفي العالم العربي نرى بعض الفتيات والنساء في حالة انهيار أثناء حضور حفلة لنجم غنائي ما، لدرجة أن منافسي هذا الفنّان يتهمونه بفبركة وصناعة هذه الحالة.

لكن الغريب هو انتقال هذا السلوك إلى عالم السياسة، والآيديولوجيات، بيد أن ذلك حصل في عالمنا الشرق أوسطي مع شخصيات مثل صدّام حسين، والخميني.

لدينا ظاهرة قديمة متطرّفة عن الهوس بالزعيم السياسي، والطائفي، أبرزها ظاهرة «شيخ الجبل سنان» في جبال الساحل السوري.

سنان راشد الدين (1130-1193م) كان شخصية هائلة التأثير على أتباعه، مر بديارهم الرحّالة الأندلسي ابن جبير وقال: «قُيّض لهم شيطان من الإنس يعرف بسنان خدعهم بأباطيل فاتخذوه إلهاً يعبدونه ويبذلون الأنفس دونه».

تُذكر دوماً حكايات مرعبة عن «شيخ الجبل» هذا، حين يأمر صبيانه بعدما ألقى سكّيناً من أعلى الحصن في الخندق وقال: من أراد هذه فليقع خلفها، فتبادروا جميعاً خلفها وثباً، فتقطّعوا.

قال عنه المؤرخ الذهبي: «فيه شهامة، ودهاء، ومكر، وغور، وكان متنسكاً، متخشعاً، واعظاً، كان يجلس على صخرة كأنه صخرة لا يتحرك منه سوى لسانه، فربطهم، وغلوا فيه، واعتقد منهم فيه الإلهية، فاستغواهم بسحر وسيمياء».

ليس بالضرورة أن يكون هوس الأتباع على طريقة «شيخ الحشّاشين الباطني سنان»، ولا على طريقة الزعيم الكوري النووي كيم، لكنّ هناك صوراً أخرى من الاستغواء للأتباع، حتى في هذا العصر المنكشف على بعضه، فغريزة التقليد، والتسليم، والاستسلام، وبناء الطائفة والرابطة القائمة على عقيدة جامعة، وعصبة انتمائية ما زالت قائمة، بل ربما صار تشكيل الأتباع وتكوين الطوائف أسهل وأسرع مع وفرة طرق التواصل، والاتصال.

أمراض البشر لا تتغير عبر العصور، لكن تتغير ملابسها، وأساليبها.