رودري… سيد الإيقاع الصامت في كرة القدم الحديثة

رودريغو هيرنانديز (أ.ف.ب)
رودريغو هيرنانديز (أ.ف.ب)
TT

رودري… سيد الإيقاع الصامت في كرة القدم الحديثة

رودريغو هيرنانديز (أ.ف.ب)
رودريغو هيرنانديز (أ.ف.ب)

في حقبة كروية صاخبة، تلهث فيها الكاميرات خلف المهاجمين وأصحاب المهارات الاستعراضية، نجح رجل واحد في إعادة الاعتبار للمراكز غير المرئية، محولاً دور لاعب الارتكاز إلى الفن الأرقى والأكثر تأثيراً في اللعبة.

إنه رودريغو هيرنانديز كاسكانتي، أو ببساطة «رودري»، الرجل الذي لم يكتفِ بضبط إيقاع خط وسط منتخب إسبانيا وفريق مانشستر سيتي الإنجليزي لكرة القدم، بل ضبط إيقاع التاريخ الكروي الحديث ليجمع بين الكرة الذهبية لعام 2024 وتتويجه الأحدث أفضل لاعب في كأس العالم 2026.

لم يكن رودري، في ليلة التتويج الإسباني بكأس العالم 2026، أكثر لاعبي البطولة تسجيلاً، ولا أكثرهم صناعة للأهداف، ولا صاحب اللقطات الأكثر انتشاراً. لكنه كان، مرة أخرى، اللاعب الذي بدا أن المباراة تتحرك وفق إيقاعه الخاص.

وعندما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) اختياره للفوز بالكرة الذهبية لأفضل لاعب في المونديال، كان الإسباني يضيف فصلاً جديداً إلى مسار استثنائي بدأ قبل عامين تقريباً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، حصل رودري على الكرة الذهبية العالمية، بعد موسم قاد فيه مانشستر سيتي إلى لقب الدوري الإنجليزي الممتاز للمرة الرابعة على التوالي، ثم لعب دوراً محورياً في تتويج إسبانيا بكأس الأمم الأوروبية، بوصفه أفضل لاعب في البطولة.

واليوم، يأتي الاعتراف الأكبر ليؤكد أن الأمر لم يعد يتعلق بموسم عابر، بل بظاهرة تكتيكية فريدة، لاعب لا يحتاج إلى أن يكون آخر من يلمس الكرة كي يكون أول من يحدد اتجاه المباراة.

اللافت في قصة رودري، أن الجوائز الثلاث الكبرى لم تأتِ نتيجة تحول مفاجئ في أسلوبه، بل جاءت تأكيداً متتالياً على القيمة التكتيكية نفسها التي يقدمها، وبلغة أرقام صارمة.

في كأس أمم أوروبا 2024، شارك رودري في ست مباريات، خاض خلالها 521 دقيقة، وأكمل 411 تمريرة من أصل 439، بنسبة نجاح تجاوزت 92 في المائة، ليكون الركيزة الفولاذية التي قادت إسبانيا إلى لقبها الأوروبي الرابع.

وفي كأس العالم 2026، منح المسار ختامه النهائي؛ إذ تربع على عرش أكثر لاعبي المونديال تمريراً بـ435 تمريرة، بدقة بلغت 94 في المائة، إلى جانب 12 محاولة لكسر الخطوط الدفاعية، نجح في 92 في المائة منها.

هذه الأرقام تكشف عن حقيقة جوهرية. رودري لم يكن يمرر الكرة لمجرد الاحتفاظ بها، بل لنقل إسبانيا بدقة إلى المساحة التي تريد السيطرة عليها.

وفي كرة القدم الحديثة، أصبح من السهل قياس النجومية عبر خوارزميات الأهداف والتمريرات الحاسمة والمراوغات، وهي أرقام مهمة، لكنها تعجز عن التقاط قيمة اللاعب الذي يتحكم في المسافات بين الخطوط، ويحدّد متى يبطئ اللعب ومتى يسرعه، مانحاً زملاءه الوقت والمساحة.

هنا تحديداً تكمن خصوصية رودري؛ فهو لا يملك الامتياز الإحصائي للمهاجم أو الجناح، بل إن وظيفته أكثر تعقيداً وعمقاً. إنه المحطة التي يبدأ منها البناء، ومركز العمليات الذي يمر عبره الانتقال، والملاذ الذي يعود إليه الفريق لاستعادة توازنه.

ولهذا؛ فإن أفضل طريقة لتقييمه ليست السؤال: «كم هدفاً سجل؟» بل: «كم مرة جعل فريقه قادراً على فرض أسلوبه؟».

كان فوز رودري بالكرة الذهبية في 2024 لحظة فارقة لكرة القدم الإسبانية والعالمية؛ لأنه كسر التقليد الطويل الذي يحتكر بموجبه المهاجمون وصناع الأهداف الجوائز الفردية.

ورغم هذا التقدير، لم يحاول رودري أن يغير وظيفته أو يبحث عن اللقطات الاستعراضية، بل ظل لاعب الوسط الملتزم بربط المساحات ومنح فريقه التوازن، ليثبت أن إدارة الإيقاع هي موهبة هجومية ودفاعية في آن واحد.

ثم جاء المونديال الأخير ليؤكد الفكرة ذاتها في بيئة أكثر تعقيداً، فكأس العالم بطولة مغلقة تحسم بالتفاصيل الصغيرة، وفيها اختاره «فيفا» أفضل لاعب في البطولة، متفوقاً على أبرز المهاجمين والهدافين، في إشادة صريحة باللاعب الذي يجعل الفريق بأكمله يعمل داخل منظومة واحدة.

في المنتخب الإسباني، لا يمثل رودري مجرد لاعب وسط، بل هو المفتاح التكتيكي الذي يسمح للهوية الإسبانية بأن تعمل بكفاءة.

وراء الأرقام الهجومية لمنتخب إسبانيا في «أمم أوروبا»، حيث كان المنتخب الإسباني أقوى خطوط البطولة هجومياً بتسجيله 15 هدفاً، كان رودري يمنح المنظومة أثمن ما تحتاج إليه... الأمان.

فعندما يتقدم الظهيران، يكون هو القارئ الأول للخطر قبل تحوله إلى مرتدة، وعندما يضغط المنافس، يستقبل الكرة تحت عبء الرقابة ليتخذ القرار الصحيح. وعندما يتكتل المنافس، يحرك اللعب عرضياً وطولياً بسلاسة. إنه ليس مجرد حارس أمام الدفاع، بل المهندس الفعلي للمباراة.

وصقلت تجربة مانشستر سيتي دور رودري ورفعت جاهزيته التكتيكية، ففي فريق يعتمد على السيطرة والتمركز والضغط العكسي، تعلم كيف يقرأ الملعب ويفهم اللعبة قبل أن تصل الكرة إلى قدمه.

هذه العقلية نقلها بسلاسة إلى المنتخب، لكن مع مسؤولية مضاعَفة، حيث تعيَّن عليه الجمع بين خبرة ضبط الوسط ودور القائد لجيل شاب وأكثر اندفاعاً.

ولهذا لم تكن قيمته في مونديال 2026 مجرد أرقام جافة، بل في قدرته على منح المنتخب شكلاً مستقراً وصلباً وسط بطولة طويلة وضغوط متزايدة. مجهود توجه بهيمنة مطلقة على مباراة النهائي كسف فيها شمس الأرجنتين.

أصبح رودري نقطة التوازن بين جيلين بخبرة لاعب يعرف كيف يتحكم في إيقاع المباراة، وشخصية قائد يتعين عليه أن يترك مساحة للاعبين الشباب كي يفرضوا موهبتهم.

ولذلك؛ فإن إسبانيا التي فازت بكأس العالم لم تكن فريقاً يعتمد على رودري كي يفعل كل شيء، بل كان فريقاً يعرف كيف يستفيد من وجوده كي يصبح الجميع أكثر فاعلية.

وتضيف الرحلة الشخصية بعداً ملحمياً إلى هذه المسيرة. فقبل أقل من عامين، واجه رودري كابوس الإصابة الخطيرة في الرباط الصليبي التي أبعدته عن الملاعب.

لكن الإثارة الحقيقية لا تكمن فقط في استعادته القدرة على اللعب، بل في عودته المباشرة إلى مركز ثقل الكرة العالمية. عاد ليقود بلاده إلى المجد المونديالي، وهو يثبت للعالم أنه لم يفقد شيئاً من تأثيره، واضعاً الذهب المونديالي إلى جوار ذهبه الفردي.

رودري حالة نادرة في كرة القدم الحديثة، فخارج الملعب، يبدو مختلفاً بقدر اختلافه داخله. لا وشوم على جسده، ولا حضور شخصياً صاخباً يلاحق يومياته على منصات التواصل الاجتماعي، في حين يحمل شهادة جامعية في إدارة الأعمال والإدارة حصل عليها بالتوازي مع صعوده في كرة القدم الاحترافية.

وبينما كان كثيرون يرون في الجامعة طريقاً بديلاً عن الملاعب، اختار رودري أن يسلك الطريقين معاً. إنها صورة تنسجم مع اللاعب الذي يظهر داخل الملعب. لا حاجة إلى الاستعراض كي يثبت حضوره، ولا إلى الضجيج كي يفرض تأثيره.

في النهاية، تمثل قصة رودري انتصاراً حقيقياً للاعبين الذين يتركون بصمتهم في شكل المباراة لا في لوحة النتائج فقط.

عندما يكون رودري في أفضل حالاته، يبدو أن فريقه يملك دائماً لاعباً إضافياً في المكان الصحيح بتمريرة ذكية قبل الضغط، أو خطوة سباقة لقطع الهجمة، أو قرار يختصر المسافات.

جمعه بين الكرة الذهبية لعام 2024 وكرة المونديال 2026 ليس مجرد تتابع لجائزتين، بل هو اعتراف متكرر بأن كرة القدم لا تصنع فقط عند اللحظة الأخيرة أمام المرمى.

أحياناً، تبدأ البطولة من لاعب يقف في منتصف الملعب، يقرأ المشهد بهدوء، ويضبط الإيقاع، ويجعل الآخرين في أريحية للانطلاق والتألق.

وعندما تنتهي المعركة، يكتشف الجميع أن اللاعب الذي لم يكن يركض خلف الأضواء، هو الذي كان يحركها خلف الجميع.


مقالات ذات صلة

تغريم أربيلوا 33 ألف دولار لانتقاده التحكيم

رياضة عالمية ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)

تغريم أربيلوا 33 ألف دولار لانتقاده التحكيم

فرض الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم غرامة قدرها 25 ألف جنيه إسترليني (33 ألف دولار) على المدرب الإسباني لفولهام ألفارو أربيلوا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)

شاختار دونيتسك... بين ملاجئ الحرب وملاعب أوروبا

لا تبدو رحلة شاختار دونيتسك الأوكراني إلى لندن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى لخوض مباراة في دوري أبطال أوروبا، بل تختصر حكاية نادٍ يحاول الحفاظ على حضوره.

شوق الغامدي (الرياض)
رياضة عالمية أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)

باومان يأمل في العودة للمنتخب الألماني

ما زال أوليفر باومان، حارس مرمى فريق هوفنهايم الألماني لكرة القدم، يأمل في أن يعود للمنتخب الألماني ويرفض الاعتزال.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)
رياضة عالمية بيار ساج (رويترز)

إغراء التدريب في الدوري الإنجليزي قاد الفرنسي ساج إلى كريستال بالاس

مثل أي مدرب يبحث عن مكانة له بين الكبار لم يكن بإمكان الفرنسي بيار ساج مقاومة إغراء التدريب في الدوري الإنجليزي لكرة القدم 

رياضة سعودية عبد الله العسعوس رئيس مجلس جمهور الفيصلي (نادي الفيصلي)

الفيصلي يحفز جماهيره لحضور مواجهة الخلود بـ74 جائزة

طالب عبد الله العسعوس، رئيس مجلس جمهور الفيصلي الأول لكرة القدم، جماهير فريقه بالحضور إلى ملعب «مدينة المجمعة الرياضية »، غداً الخميس.

ماجد عبد الله (المجمعة (المملكة العربية السعودية))

تغريم أربيلوا 33 ألف دولار لانتقاده التحكيم

ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)
ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)
TT

تغريم أربيلوا 33 ألف دولار لانتقاده التحكيم

ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)
ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)

فرض الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم غرامة قدرها 25 ألف جنيه استرليني (33 ألف دولار) على ألفاروا أربيلوا المدرب الإسباني لفولهام، لقوله إن الحكام «لن يسمحوا لمانشستر يونايتد بالخسارة».

وأدلى أربيلوا بهذه التصريحات عقب تعادل فولهام مع مانشستر يونايتد 1-1 في الدوري الإنجليزي الممتاز على ملعب «كرايفن كوتيدغ» في سبتمبر (أيلول).

وسجل البرازيلي ماتيوس كونيا هدف التعادل للضيوف في الدقيقة 89.

كما تلقى أربيلوا الذي أقر بالمخالفة الموجهة إليه، تحذيراً بسبب تعليقاته لأنه «تصرف بطريقة غير لائقة من خلال الإدلاء بتصريحات في مقابلة بعد المباراة توحي بوجود تحيز أو تشكك في نزاهة أحد حكام المباراة»، وفق ما أفاد الاتحاد.

ويقبع فولهام حالياً في المركز الأخير برصيد نقطتين فقط من مبارياته الست الأولى.


شاختار دونيتسك... بين ملاجئ الحرب وملاعب أوروبا

الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)
الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)
TT

شاختار دونيتسك... بين ملاجئ الحرب وملاعب أوروبا

الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)
الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)

لا تبدو رحلة شاختار دونيتسك الأوكراني إلى لندن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى لخوض مباراة في دوري أبطال أوروبا، بل تختصر حكاية نادٍ يحاول الحفاظ على حضوره الرياضي في ظل حرب مستمرة، جعلت اللعب على أرضه أمراً متعذراً، وحوّلت التنقلات الطويلة عبر الحدود والمطارات إلى جزء ثابت من برنامجه اليومي.

الفريق الذي يستعد لخوض مبارياته الأوروبية في العاصمة البريطانية، مستضيفاً منافسيه على ملعب «ستامفورد بريدج»، لا يملك ترف الاستقرار الذي تتمتع به الأندية الأوروبية الأخرى. فمنذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، باتت مبارياته تُصنّف على الورق مباريات بيتية تُقام خارج البلاد، فيما يتنقل لاعبوه بين أوكرانيا وبولندا ودول أوروبية أخرى، بحثاً عن ملاعب آمنة تسمح لهم بمواصلة المنافسة.

ويخوض شاختار، بقيادة مدربه أردا توران، مواجهة أمام آيك أثينا في لندن، ضمن رحلة أوروبية تحمل أبعاداً تتجاوز حسابات النقاط والتأهل. فالنادي يريد أن يبقى حاضراً في المشهد القاري، وأن يحوّل مشاركته الرياضية إلى رسالة عن قدرة الأوكرانيين على الاستمرار، رغم ظروف الحرب.

وقال توران إن اللعب على ملعب بحجم «ستامفورد بريدج» يحمل مشاعر خاصة، لكنه شدد على أن الملعب، مهما بلغت مكانته، لا يمكن أن يعوّض الفريق عن خسارة اللعب على أرضه. وأضاف أن غياب الملعب البيتي يجعل المهمة شديدة الصعوبة، إلا أن الفريق لا يزال يتمسك بحلمه وبما يملكه من قوة داخلية.

قبل الرحلة إلى لندن، كان لاعبو شاختار يعيشون يوماً عادياً، ظاهرياً، في مقر إقامتهم قرب مدينة لفيف غرب أوكرانيا. تدرب اللاعبون الذين لم يشاركوا أساسياً في المباراة السابقة، فيما تبادل توران ومدير كرة القدم داريو سرنا، المزاح على هامش الحصة التدريبية.

لكن المشهد الهادئ لم يكن سوى استراحة مؤقتة من واقع الحرب. فقد دوّت صافرات الإنذار في ساعات الفجر، لتذكّر الجميع بأن خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية لا يستثني المناطق الغربية من البلاد. وفي مباراة الفريق أمام فيريس ريفني، اضطر اللاعبون وأفراد الجهاز الفني إلى اللجوء إلى الملجأ، وتأخر انطلاق الشوط الثاني نحو 20 دقيقة.

وتكشف هذه التفاصيل عن جانب من الظروف التي يواجهها النادي، إذ لا تتوقف تداعيات الحرب عند صعوبة السفر أو غياب الملعب، بل تمتد إلى أبسط تفاصيل العمل اليومي، من التدريبات إلى الإقامة، وصولاً إلى الإجراءات الإدارية التي يحتاج إليها اللاعبون الأجانب.

وقال فيتالي كليفنيوك، مدير الإدارة الرياضية في شاختار، إن الأعباء النفسية تزداد مع مرور الوقت. وشبّه الأمر بالحرمان من النوم، موضحاً أن الجسم قد يتمكن من تجاوز ليلة واحدة بلا راحة، لكن التعب يتراكم مع تكرار التجربة، إلى أن يصبح الضغط النفسي أكثر صعوبة من الإرهاق البدني.

وأضاف أن مكتبه تحوّل، على حد وصفه، إلى غرفة لإدارة الأزمات، بسبب المشكلات المفاجئة التي تظهر باستمرار. وخلال الاستعداد للرحلة الأخيرة، واجه النادي تعقيدات إدارية بعدما توقّف نظام إصدار تصاريح الإقامة الجديدة للاعبين والعاملين الأجانب، إثر تعرض أنظمة في كييف لأضرار نتيجة القصف الروسي.

9 ساعات من السفر قبل الوصول إلى لندن

بدأت رحلة الفريق بمغادرة مقر إقامته قرب لفيف في قافلة من السيارات الصغيرة، تُقلّ كل واحدة منها أربعة أو خمسة أشخاص، قبل التوجه إلى معبر كراكوفيتس الحدودي مع بولندا.

واستغرقت الرحلة إلى المعبر أقل من ساعتين، ثم احتاج اللاعبون والوفد إلى نحو ساعة وربع ساعة لإنهاء الإجراءات على جانبي الحدود. وبعد ذلك، واصل الفريق طريقه عبر الأراضي البولندية إلى مطار جيشوف، حيث واجهت البعثة مشكلة أخرى تتعلق بتصريح دخول أحد اللاعبين إلى المملكة المتحدة، بعدما أخفق النظام الإلكتروني في مطابقة بيانات جواز سفره. ولم تُحل المشكلة إلا قبل موعد الصعود إلى الطائرة بنحو نصف ساعة.

ووصلت البعثة إلى لندن بعد رحلة استغرقت نحو تسع ساعات منذ مغادرتها مقر الإقامة في أوكرانيا، في رحلة وصفها اللاعبون بأنها من الرحلات الأقل صعوبة مقارنةً بتجارب سابقة.

ويقول المهاجم البرازيلي كاوا إلياس، إنه لم يكن يدرك حجم التحديات المرتبطة بالسفر عندما انضم إلى النادي، لكنه اعتاد الأمر مع مرور الوقت. وأوضح أن وجود عدد كبير من اللاعبين البرازيليين يساعده على التأقلم، مشيراً إلى أنهم يجتمعون أسبوعياً في لفيف لإعداد وجبات الشواء البرازيلية وتخفيف وطأة الظروف الاستثنائية التي يعيشونها.

أما داريو سرنا، فيرى أن حجم المعاناة لا يمكن فهمه بالكامل من خارج التجربة. وأشار إلى أن الفريق مطالَب بخوض 9 مباريات خلال 29 يوماً، بينها ثلاث مباريات في دوري أبطال أوروبا، فضلاً عن الرحلات المتكررة للعودة إلى أوكرانيا لخوض المنافسات المحلية.

وتفرض هذه الظروف تحدياً إضافياً على الجهاز الفني بقيادة توران، الذي يتعين عليه الموازنة بين متطلبات المنافسة الأوروبية، والاستعداد للمباريات المحلية، والحفاظ على الجاهزية البدنية والذهنية للاعبين.

منذ توليه قيادة شاختار في مايو (أيار) 2025، حاول أردا توران بناء علاقة تتجاوز الإطار المهني التقليدي مع لاعبيه، مستنداً إلى شخصية عاطفية وحضور قوي، وإلى قناعة بأن دور النادي في زمن الحرب لا يقتصر على النتائج.

ويؤكد المدرب التركي أنه أصبح جزءاً من عائلة شاختار وقصتها، وأن رؤية الأطفال وهم يبتسمون عند لقاء الفريق تمنحه شعوراً بأن وجوده قد يحمل قيمة تتجاوز كرة القدم.

وقال توران إن رفع صوت الشعب الأوكراني والتذكير بمعاناته يمثلان جزءاً من مسؤوليته، مؤكداً أن الفريق لن يقبل بأن تتحول الحرب إلى واقع طبيعي يُسلّم به الجميع.

ويمتلك توران، الذي سبق له التألق لاعباً مع أتلتيكو مدريد، ذكريات خاصة في مواجهة تشيلسي على ملعب «ستامفورد بريدج». فقد سجل هدفاً في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2014، عندما نجح الفريق الإسباني في تقديم أداء قوي خارج ملعبه.

ويستحضر المدرب تلك التجربة خلال وجوده الحالي في لندن، وإن كانت الظروف مختلفة تماماً هذه المرة. فبدلاً من خوض مواجهة أوروبية بصفته لاعباً يسعى إلى بلوغ النهائي، يعود إلى الملعب ذاته مدرباً لفريق يحمل معه معاناة بلد بأكمله.

اختار شاختار دونيتسك ملعب «ستامفورد بريدج» لاستضافة مبارياته الأوروبية هذا الموسم، بعد المفاضلة بين ثلاثة ملاعب في لندن. ويأمل النادي في حضور ما لا يقل عن 25 ألف مشجع لمباراته أمام آيك أثينا، ضمن سلسلة من المواجهات التي تتضمن زيارة ريال مدريد في يناير (كانون الثاني) المقبل.

ولا تقتصر صلات النادي بالعاصمة البريطانية على كرة القدم؛ إذ أسهمت شركة «ميت إنفست»، الشقيقة لإحدى الشركات المرتبطة بمالك النادي، في توفير خمسة آلاف طن من الفولاذ المستخدم في بناء برج «ذا شارد»، أحد أبرز معالم لندن المعمارية.

كما يرتدي اللاعبون قمصاناً تحمل رسالة حملة «استثمروا في أوكرانيا»، في محاولة لربط حضور الفريق الرياضي بدعوات دعم البلاد.

وعلى الصعيد الفني، يسعى شاختار إلى تعزيز فرصه في بلوغ الملحق المؤهل إلى الأدوار الإقصائية، بعد تعادله مع آيندهوفن الهولندي في الجولة الافتتاحية من مشواره الأوروبي.

لكنّ داريو سرنا يرى أن قيمة الحضور الجماهيري تتجاوز النتيجة، قائلاً إن مساندة شاختار تعني أيضاً مساندة أوكرانيا، في وقت يعيش فيه المواطنون تحت أصوات صفارات الإنذار والقصف.

وأضاف أن الفريق يريد أن يثبت للعالم أنه لا يزال حياً وقوياً وموحداً، وأنه سيواصل القتال حتى النهاية.

وبالنسبة إلى لاعبي شاختار، فإن هذه الرسالة لا تلغي الإرهاق ولا تختصر المسافات. فبعد نهاية المباراة في لندن، سيكون عليهم العودة إلى أوكرانيا والاستعداد لمواجهة كولوس كوفاليفكا في الدوري المحلي، يوم السبت.

إنها دورة متكررة من السفر واللعب والعودة، لا يبدو أن لها نهاية قريبة، في ظل استمرار الحرب واستحالة استضافة المباريات الأوروبية داخل البلاد.

ومع ذلك، يصر النادي على مواصلة المشوار. ويختصر كليفنيوك فلسفة الفريق بالقول إن هناك مواطنين أوكرانيين يعيشون ظروفاً أشد قسوة من ظروف اللاعبين والعاملين في النادي، وإن معرفة أن الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام تجعل الاستمرار أمراً يستحق كل هذا العناء.

بالنسبة إلى شاختار دونيتسك، لم تعد كرة القدم مجرد منافسة على الألقاب؛ إنها محاولة للحفاظ على شيء من الحياة الطبيعية، ورسالة بأن الحرب، مهما طالت، لم تنتزع من الفريق رغبته في اللعب، ولا من جماهيره قدرتها على الأمل.


باومان يأمل في العودة للمنتخب الألماني

أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)
أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)
TT

باومان يأمل في العودة للمنتخب الألماني

أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)
أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)

ما زال أوليفر باومان، حارس مرمى فريق هوفنهايم الألماني لكرة القدم، يأمل في أن يعود للمنتخب الألماني، ويرفض الاعتزال.

وقال باومان، لشبكة «آر تي إل» قبل مواجهة بشكتاش، في «الدوري الأوروبي»، غداً الخميس: «الأمر يتعلق بالسن والتغيير، لكن يورغن كلوب لم يغلق الباب. لهذا السبب لن أعتزل».

وكان باومان يشير إلى المحادثة التي أجراها مع كلوب، الذي تولّى تدريب المنتخب الألماني، بعد المشاركة المخيِّبة للآمال للفريق في «كأس العالم» التي أقيمت في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الماضيين.

وتابع باومان: «كالمعتاد، أحاول أن أقدم أفضل أداء هنا، وأن ألعب في المستوى الذي يؤهلني للعب في المنتخب الوطني».

وأضاف: «أشعر بأنني جاهز بما يكفي لمساعدة المنتخب الأول. ثم، بالطبع، سأترك القرار للمدير الفني».

وكان باومان الحارس الأساسي للمنتخب الألماني في التصفيات المؤهلة للمونديال، لكن المدرب السابق للمنتخب يوليان ناغلسمان قرر إقناع مانويل نوير بالعدول عن اعتزاله الدولي للمشاركة في البطولة التي استضافتها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

وأكد باومان أنه على علاقة طيبة مع ناغلسمان: «ليست لديَّ أي مشكلة، على الإطلاق، مع يوليان، نحن نتفاهم بشكل جيد للغاية، حتى إننا تحدثنا بعد كأس العالم».

واستطرد: «كان كل شيء على ما يرام حقاً. بالطبع، آلمني القرار وأثار غضبي، كما أنني لم أفهمه أيضاً. وهو يدرك ذلك كله، وقد تواصلنا بوضوح بشأنه».

وودّع المنتخب الألماني كأس العالم من دور الـ32 في يونيو، واستقال ناغلسمان. واختار كلوب، حليفة ناغلسمان، أول قائمة له، وكانت مكونة من 44 لاعباً؛ وذلك لخوض مباريات في دوري أمم أوروبا، لكن باومان (36 عاماً) لم يكن بها.