أعكفُ فِي العَملِ علَى كِتَابٍ، أرجُو اللهَ أنْ يُعِينَنِي علَى إتْمَامِهِ، وَتَقْدِيمِهِ لِلطّبَاعَةِ فِي الأشْهُرِ القَلِيلَةِ المُقْبِلَةِ، وَهُوَ كِتَاب: «مُعَمَّرُوْن سُعُوْدِيُّوْن»، جمعتُ فيهِ تَرَاجِمَ نَحوِ 200 شَخصيةٍ، أَدْرَكَتِ الدَّولةَ السَّعُودِيَّةَ، فِي أَحَدِ أَطوارِها الثلاثة، وعاشتْ في أرضها، أو دُفنت في ثراهَا. وَشَرطِي هوَ بلوغُ المُعَمَّر مائةَ عامٍ هِجريٍ، أوْ أَكْثَر.
وقد أتاحَ لِي العملُ في هذا الكتابِ التَّعرفَ علَى بلداتٍ كثيرةٍ منَ المَمْلَكةِ العَربِيَّةِ السّعودية، من شَرقِهَا إلى غَربهَا، وَمِنْ شَمالِها إلَى جنوبِهَا، مروراً بوسطها.
إضافةً إلَى مَا وقفتُ عليهِ من تَفاصيلِ إنسَانِ السّعُوديَّةِ، وحياتِه، وَقيمِه، وَنبلِه، وَطيبِه.
فِي محافظةِ الزلفِي، في نَجد، التَّابعةِ لإمارةِ منطقةِ الرّياض، وتقعُ منهَا إلى الشَّمال الغَربي، وقاعدةِ المحافظةِ بلدةِ الزلفي، وتبعدُ عن مدينةِ الرّياض 280 كم، وُلدَ الشَّيخُ إبراهيمُ بنُ عبدِ الله بن حمود بن عبد الله بن حمود بن محمد الطريقي (1302 تقريباً-1407هـ = 1884تقريباً - 1986م)، من أسرةِ الطريقي، من الوداعين، الدواسر.
الطْرَيْقِي: بإسكانِ الطَّاء، وفتحِ الرَّاء، ثم ياءٍ ساكنةٍ، فقافٍ مكسورةِ، فياءِ نسبة: على لفظِ تصغيرِ الطرقي، الذي هوَ المُسافِر عابر الطَّريق. أصلُ تسميتِهم أنَّ جدَّهم جاءَ من وادِي الدَّواسر إلى الزلفي، ولم يكنْ يريدُ أن يعرفَ نسبَه الحقيقيَّ لسببٍ من الأسبابِ التي يراعيها النَّاسُ في تلكَ الأزمَان... فكانَ يقولُ لمن يسألُه من أهلِ الزلفي عن اسمِه: أنَا طريقي، أي طرقي، بمعنى أنَّني غيرُ مقيم، بل أنا عابرُ سبيل». كمَا يقولُ الشَّيخُ مُحمَّدُ بنُ ناصر العبودي، في (معجم أسر بريدة).
ويتحدَّث عن أصلِ الأسرة، محمد بن عبد الله السيف، في كتابه (عبدالله بن حمود الطريقي أول وزير بترول سعودي)، قائلاً: «قدم الجَدُّ الأعلَى لأسرةِ الطريقي من وادي الدَّواسر، الواقعِ جنوبَ منطقةِ الرّياض، إلى بلدةِ الزلفي، قبل أكثرَ من قرنين من الزَّمان، فاستوطنَها، وتفرَّق أبناؤُه وأحفادُه في المدنِ السعودية، كالرياض، وحفرِ الباطن، ودولةِ الكويت. وتُعَدُّ أسرةُ آلِ الطريقي اليومَ واحدةٌ من أشهرِ أُسَر الزلفي، وقد برزَ منها واشتهرَ عددٌ من أبنائِهَا في عددٍ من المَجَالات. وآلُ الطريقي في الزلفي ينتمونَ إلى الجَدِّ الجامعِ لهم، وهوَ: حمودُ بنُ عبدِالله بن حمود بن عبد الله بن محمد الودعاني الدوسري».
وُلدَ الشيخُ إبراهيمُ بنُ عبدِ الله الطريقي بالزُّلْفِي، ونشأ بهَا.
ويقول ابنُه الشيخُ سليمان، في حوارٍ مع مجلَّة «القربَى»، وهيَ مجلَّةُ عائلةِ الطريقي: «تولَّى والدِي الإمامةَ بمسجدِ الطريقي نحوَ خمسينَ عَاماً. وهوَ تولَّى الإمامةَ في مسجدِ الطراقا بعدَ جَدِّي، وصِرتُ أنَا إمَاماً للمسجدِ بعدَ والدِي، ما يقاربُ عشرينَ عَاماً».
قالَ الشيخُ عبدُ الله الطريقي في (الحنابلة خلال ثلاثةَ عشرَ قرناً)، متحدثاً عن المترجَم: « وكانَ وَرِعاً، زاهِداً، كرِيماً، محبوباً عند الآخرين».
ويقول الشيخ سليمان البراهيم الطريقي، عن وضعه المادي هو ووالده: «كانت النعمة التي تجيني أقسمها بيني وبينه، وأرسل له نصها، هو وأخوي واختي وجدتي، وكانت يده مرتخية، الله يجعله بالجنة، واللي بيده ما هوب له (ليس له)، ولا يطلع منه ضيفه إلَّا وهو شبعان ورويان».
ومن اللطيف ما نقله الشيخ سليمان عن والده الشيخ إبراهيم الطريقي، أَنَّهُ كان يُضَّحِي كل عام، بأضحية عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأضحية عن الشيخ ابن تيمِيَّة، وأضحية عن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.
ولا شَكَّ أَنَّ تضحيته عن هؤلاء الثلاثة، يعكس يقينه بالأثر الإيجابي لكل واحد منهم على البلاد والعباد.
هؤلاء الثلاثة ليسوا من الزلفي، ولا من قبيلة المُضحي، فليسوا من الوداعين الدواسر، لكن إيمانه بما قدموا للأُمَّة، جعله يُقدم أضحية عن كل واحد منهم كل عام، ولله ما أعظم هذا العمل، ورحم الله صاحبه ومن ضَحَّى عنهم، والله يرعاكم.
