جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

ليبيا... البارود ما زال يتطاير فوق الرؤوس

استمع إلى المقالة

يوم الأربعاء الماضي، تدخلت قوات حكومة طرابلس في المعارك الضارية، غرب العاصمة، بمدينتي الزاوية وصرمان، وتمكَّنت من إيقافها. المدينتان تبعدان عن مقر رئاسة حكومة الوحدة الوطنية في العاصمة مسافة تقطعها السيارة في أقل من ساعة، وكان متوقعاً تدخلها منذ اليوم الأول وإيقافها، لكن الحكومة - لأسباب غير واضحة - فضّلت الانتظار!

المعارك اشتعلت نيرانها في المدينتين أياماً عدة بين تشكيلين مسلحين يتبعان الحكومة نفسها. مراسل إحدى القنوات التلفزيونية العربية، في تقرير بثّه من العاصمة طرابلس، ذكر أنَّ المعارك أدَّت إلى دمار ممتلكات وبيوت العديد من المواطنين، ومقتل وجرح العديد من المقاتلين من الطرفين. الأسوأ من ذلك هروب أكثر من 1000 سجين من سجن مدينة صرمان، من ضمنهم 400 سجين أجنبي، بينهم مجرمون مدانون في جرائم قتل.

ميادين تلك المعارك، كالعادة، كانت حواري وشوارع وأزقة وطرقات ومزارع المدينتين. اللافت للاهتمام أنها طوال مدة اشتعالها وحتى نهايتها، لم يصدر بيان واحد من حكومة طرابلس يوضح للمواطنين ما حدث ويحدث، أو يدعو الأطراف المتورطة فيها إلى التوقف الفوري عن تعريض حياة المدنيين لخطر الموت وممتلكاتهم للدمار.

الحكومة، ولأسباب غامضة تكاد تكون مريبة، لم تحرك ساكناً إلا بعد فوات الأوان؛ عندها قررت التدخل وإرسال قوات من طرابلس، قيل إنها تابعة للجيش (مصطلح مطاطي يندرج تحته أي شيء)، قصدت مناطق التحارب لحماية المدنيين!

طوال مدة الاقتتال، تولّى مواطنون من المدينتين نقل وقائع المعارك، أولاً بأول، على مواقع التواصل الاجتماعي بالصور الثابتة والتسجيلات المرئية. ومثل ما سبقها من حروب في المدينتين نفسيهما أو في مدن أخرى، استخدمت في الحرب الأخيرة كافة أنواع الأسلحة. وظهر شخص في شريط «فيديو» مسجل بث على الإنترنت، بصفته رئيس أعيان مدينة صرمان، يندد ويدين موقف حكومة طرابلس في تجاهلها نداءات الاستغاثة من المواطنين، وعدم إصدارها بياناً واحداً.

الفجوة والقطيعة بين الشارع الليبي والمؤسسات الحاكمة ومن يقودونها ليست وليدةَ اليوم، وتزداد اتساعاً يوماً إثر آخر. والحرب التي دارت مؤخراً في المدينتين كانت كل المؤشرات تؤكد قبل اشتعالها أنها قادمة لا محالة. وهي - أي الحرب - ليست سوى مثال واحد يجسد اللامبالاة بأرواح الناس، وترسم واقعاً مأساوياً يرزح تحت وطأته الليبيون منذ سنوات، من دون أن تبدو بارقة أمل في الخروج منه؛ واقع لا يزال يمسك بمقاليده من يُوصفون بـ«أمراء الحرب»، الأمر الذي ينزع عما يجري في ليبيا صفة «الحرب الأهلية».

الحروب الأهلية، كما عرفناها تاريخياً، تخضع لشروط لا تتوفر فيما يجري في ليبيا منذ سقوط النظام العسكري السابق في أكتوبر (تشرين الأول) 2011؛ أولها غياب الانقسام الطائفي أو المذهبي، فالمجتمع الليبي - حتى الآن على الأقل - لا يزال يُعد متجانساً، ولا توجد مظالم تاريخية بين المكونات الاجتماعية تدفع الناس للتقاتل التلقائي بناءً على الهوية، وهذا لا ينفي وجود عداوات تاريخية قديمة.

أضف إلى ذلك أن النزاع المسلح الدائر منذ أكثر من 15 عاماً ليس مواجهة بين شعب منقسم، بل هو قائم منذ بدايته على تنافس بين قادة جماعات مسلحة غرباً وشرقاً وجنوباً يتقاتلون للاستحواذ والاستئثار بالموارد النقدية والنفطية.

من جهة أخرى، دخل النزاع بين هؤلاء مرحلة التدويل مبكراً بتورط قوى إقليمية ودولية، ليتحول إلى حرب بالوكالة نموذجية هدفها حماية مصالح تلك القوى الخارجية، مما أخرج النزاع من إطاره المحلي الصرف. الأهم من ذلك أن النسيج الاجتماعي الليبي والمصاهرات والتداخلات العائلية عبر المدن والمناطق شكّلت حتى الآن كابحاً حال بتوفيق من الله دون تحول الخلاف والتنافس إلى اقتتال شامل.

لتلك الأسباب، يفضل العديد من خبراء النزاعات وصف الحالة الليبية بأنَّها أفضل نموذج يمثل «صراعاً مسلحاً على السلطة والموارد»، أو «حرباً بالوكالة مدوّلة»، تتخذ أحياناً أبعاداً جغرافية أو مناطقية كمظاهر خارجية، دون أن تتحول إلى حرب أهلية بمفهومها الهوياتي المكتمل.

اتساقاً مع ذلك، يمكن القول إن ما حدث من معارك وحروب، أو ما سيحدث من اقتتال في المدينتين المذكورتين أعلاه أو غيرهما من المدن الليبية، لا يخرج عن هذا الإطار. وإلى حد الآن، لا يزال السؤال المطروح يتمحور حول السبب أو الأسباب وراء عدم ظهور موقف واضح بالإدانة والتنديد من طرف حكومة طرابلس، ولماذا تأخرت في إرسال قوات لفك الاشتباكات واكتفت بالتفرج من بعيد؟

يرى البعض أن التأخير سببه رغبة الحكومة في إنهاك وإضعاف الجماعتين، انطلاقاً من مبدأ «فخار يكسر بعضه». وواقعياً، فإن الفخار المذكور في المثل تكسّر على رؤوس المواطنين في المدينتين من خلال ما لحقهم من رعب، وما لحق بممتلكاتهم والبنية التحتية للمدينتين من أضرار. فمتى يتوقف العبث بأرواح الناس وممتلكاتهم؟