يبدو بوكايو ساكا مختلفاً، فعندما ظهر للمرة الأولى على الساحة عام 2018، أحبّه جمهور آرسنال بسبب شخصيته المتواضعة التي بدت أقرب إلى شخصية تلميذ في المدرسة، وأطلقوا عليه لقب «Starboy» أو «الفتى النجم».
اليوم، أصبح ساكا في الـ25 من عمره، وعاش بعضاً من أجمل اللحظات التي يمكن للاعب كرة قدم أن يعيشها، لكنه مرّ أيضاً بإخفاقات قاسية.
أصبح أكثر ثقة خلال المقابلات، وتطور ليصبح أحد قادة آرسنال، كما يبدو أكثر إدراكاً للمكانة التي وصل إليها.
ولا تزال عروضه داخل الملعب، سواء مع آرسنال أو منتخب إنجلترا، تثير كثيراً من النقاش، إيجابياً كان أو سلبياً. لكن بعيداً عن الملعب، يبدو واضحاً أنه يتخلص تدريجياً من صورة «الفتى النجم» ويتحول إلى قائد حقيقي.
فكيف تغيرت الصورة العامة لساكا منذ أيامه الأولى حتى الآن؟
البداية... «ستاربوي» آرسنال
كان ساكا في الـ17 من عمره عندما خاض مباراته الأولى مع آرسنال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وفي الـ19 عندما سجّل ظهوره الأول مع منتخب إنجلترا الأول في أكتوبر (تشرين الأول) 2020.
كان أحد أبرز نتاجات أكاديمية «هيل إند» خلال موسمين صعبين على النادي اللندني، وسرعان ما تحول إلى أحد اللاعبين المفضلين لدى الجماهير.
وأطلق عليه قائد آرسنال السابق بيير إيمريك أوباميانج لقب «Lil Chili» أو «الفلفل الصغير»، بينما منحه جمهور آرسنال لقب «ستاربوي».
و«Starboy» هو اسم أغنية وألبوم للمغني الكندي «ذا ويكند»، صدرا عام 2016 قبل ظهور ساكا مع الفريق الأول، كما يرتبط الاسم بالفنان النيجيري ويزكيد.
ويشير اللقب في حالة ويزكيد وساكا، الذي ينحدر هو الآخر من أصول نيجيرية، إلى الوصول إلى مكانة كبيرة وإظهار موهبة استثنائية في سن مبكرة.
لكن موهبة ساكا لم تكن الشيء الوحيد الذي لفت الأنظار إليه.
فشخصيته المحبوبة والبسيطة كانت جزءاً أساسياً من صورته.
ظهر مثال واضح على ذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2022 خلال كأس العالم في قطر، عندما زار ديفيد بيكهام مقر تدريبات منتخب إنجلترا.
ظهر ساكا، وكان عمره وقتها 21 عاماً، واقترب منه بأدب قائلاً: «آسف على المقاطعة، هل يمكنني التقاط صورة معك؟».
وفي يوليو (تموز) 2021، خلال بطولة أوروبا، قدم زميله في المنتخب لوك شو تفسيراً للسبب الذي جعل الجميع يحب ساكا.
وقال: «أنا أحبه. بصراحة، أتمنى لو كان ابني أو شيئاً من هذا القبيل. أحبه إلى هذه الدرجة. أعتقد أنه يمكنك سؤال أي شخص في المنتخب وسيخبرك الجميع كم هو شخص رائع».
وأضاف: «انسجمت معه بشكل كبير. أتمنى لو كان أخي. إنه رائع جداً ومضحك ويجعل الجميع يضحكون».
ساكا يواجه الانتقادات... وثقة جديدة تظهر
من الخارج، لا تزال أجزاء كثيرة من شخصية ساكا كما هي، لكن بعض الأشياء بدأت تتغير، حتى قبل أن يصبح بطلاً للدوري الإنجليزي الممتاز.
وباتت احتفالات ساكا بالأهداف تكشف عن شخصية أكثر ثقة، تدرك جيداً الانتقادات التي توجه إليها أحياناً، ولا تمانع في الرد عليها.
بعد تسجيل هدف تعادل إنجلترا أمام سويسرا في ربع نهائي «يورو 2024»، قبل أن يفوز المنتخب الإنجليزي بركلات الترجيح، احتفل ساكا بتحريك يده بجوار أذنه بطريقة تحاكي فماً يتحدث، وهو يردد: «بلا، بلا، بلا».
ثم نشر الصورة نفسها عبر حسابه على «إنستغرام»، مستخدماً التعليق ذاته: «بلا، بلا، بلا».
وكثيراً ما كان ساكا هدفاً لجماهير الفرق المنافسة.
وبعد استبداله أمام أستون فيلا خلال فوز آرسنال 1-0 في أغسطس (آب) 2024، التقطته الكاميرات وهو يرد على استفزازات جماهير «فيلا بارك» بهزّ رأسه بسخرية، قبل أن يضع إصبعه على فمه مطالباً أصحاب الأرض بالصمت.
وعندما سجّل الهدف الخامس في انتصار آرسنال 5-2 على وست هام يونايتد في نوفمبر 2024، شوهد ساكا يضحك ويطالب جماهير «لندن ستاديوم» بالصمت أثناء احتفاله.
وظهرت ثقته بنفسه بصورة أكثر وضوحاً مؤخراً خلال احتفاله بهدف آرسنال في الفوز 1-0 على أستون فيلا في أغسطس 2026.
بعد تسجيل الهدف الوحيد، انزلق ساكا على ركبتيه، وأشار إلى الشارة الذهبية للدوري الإنجليزي الممتاز الموجودة على كم قميص آرسنال، وهو يقول: «هذا نادينا! نحن الأبطال! نادينا».

أخيراً... ساكا بطل للدوري الإنجليزي
هناك سبب واضح وراء ظهور ساكا بهذه الثقة الجديدة؛ لقد أصبح بطلاً أخيراً.
كان ساكا في الجانب الخاسر في النهائيات الأربعة الكبرى التي خاضها خلال مسيرته: نهائي يورو 2020، ونهائي يورو 2024، ونهائي كأس الرابطة 2026، ونهائي دوري أبطال أوروبا 2026.
كما عاش ألم احتلال آرسنال المركز الثاني في الدوري الإنجليزي الممتاز خلال 3 مواسم متتالية.
وبعد تأكد تتويج آرسنال باللقب، تحدث ساكا إلى شبكة «تي إن تي سبورت» بلهجة قوية عن المشككين في فريقه.
وقال: «بدأ الناس الآن يدخلون في وضع الاختباء، لكننا سنعثر عليهم».
وأضاف: «يمكننا الآن أن نقول ما نريد بحرية، لكن لو قلنا هذه الأشياء من قبل، لقالوا إننا في آرسنال كثيرو الشكوى».
وتابع: «الأمور المتعلقة بآرسنال يجري الحديث عنها بصورة أكبر، وأكثر مما تستحق أحياناً. يتم تضخيم الأشياء. رأينا الجميع مع زجاجاتهم. إنها مجرد مداعبات ومزاح. وإذا كان الناس سيوجهونها إلينا، فسنردّ عليهم بالمثل».
ثم أضاف: «لقد كسبنا هذا الحق. حان وقت الاستمتاع. هذا وقتنا».
وفي الليلة التي تأكد فيها فوز آرسنال بالدوري، نشر زميله يوريين تيمبر مقطع فيديو لساكا أمام مجسم مظلم لكأس الدوري الإنجليزي داخل مقر تدريبات النادي.
وقال ساكا في الفيديو: «أضيئوا هذا! دعوني أخبركم بشيء. 22 عاماً وهم يضحكون ويمزحون. لن يضحكوا بعد الآن. هذا الشيء سيضيء... وسيضيء بقوة!».
الانتصارات تصنع عقلية وثقة جديدتين.
وبعد كل تلك المرات التي اقترب فيها ساكا من النجاح دون أن يصل إليه، ربما نشاهد الآن اللاعب يستمتع أخيراً بتلك العقلية الجديدة.
العقد الجديد... ومكانة مختلفة داخل آرسنال
في فبراير (شباط) 2026، وقّع ساكا عقداً جديداً لمدة 4 سنوات مع آرسنال.
وذكرت شبكة «The Athletic» أن قيمة العقد جاءت بما يعكس مكانته باعتباره أحد أبرز لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز وكرة القدم الأوروبية.
ساكا واحد من أقدم عناصر فريق ميكيل أرتيتا الحالي، وخاض أكثر من 300 مباراة مع الفريق الأول، كما يرتدي شارة القيادة بصورة منتظمة.
ومن أبرز تلك اللحظات قيادته آرسنال إلى أرض ملعب ويمبلي في نهائي كأس الرابطة عام 2026.
وفي مقابلة مع برنامج «Men in Blazers» في يناير (كانون الثاني) 2026، سُئل ساكا عما إذا كان يشعر في هذه المرحلة من مسيرته بأنه لاعب كبير أم لا يزال من اللاعبين الشباب.
أجاب: «لن أقول هذا أو ذاك».
لكنه أوضح أن ثقته وإيمانه بنفسه داخل الملعب مستوحيان من تييري هنري.
وقال عن أسطورة آرسنال: «كان يمتلك ذلك بوفرة. كان يزرع الخوف في المدافعين حتى دون أن يلمس الكرة. وأنا أحاول تطوير ذلك في أدائي».

نهاية عصر «الفلفل الصغير»
يتجاوز ساكا الآن صورة «ستاربوي» التي أحبها جمهور آرسنال في بداية مسيرته، ويتحول إلى الرجل الأول الذي يستطيع مشجعو النادي الاعتماد عليه.
حتى الألقاب التي التصقت به منذ شبابه لم تعد تناسب المرحلة الجديدة.
ففي حديث مع «The Athletic» عام 2025، كشف أندرو مكجارتي، مدير التسويق الرياضي لكرة القدم العالمية في شركة «نيو بالانس»، عن دور ساكا في تصميم حذائه الجديد مع العلامة التجارية.
وقال: «أجرينا محادثات معه، وكان يريد منا تجاوز قصة لقب (الفلفل الصغير)».
العقد الجديد، وعدد المباريات الهائل التي خاضها، والخبرات التي اكتسبها، وتحوله إلى قائد داخل الفريق... كلها عوامل تعكس التغيير.
لكن ربما كان ساكا يشعر دائماً بهذه المسؤولية القيادية.
ففي مايو (أيار) 2026، قال: «لم يحدث أبداً تحول في عقليتي. منذ أن كنت أصغر سناً في الأكاديمية، كنت دائماً أضع هذه المسؤولية على كتفي».
وأضاف: «أن أصنع شيئاً لفريقي. سواء أكان ذلك بالتسجيل أم بصناعة الأهداف أو المراوغة. أي شيء يحتاج إليه الفريق من أجل الفوز. هذه كانت عقليتي دائماً».
كان ساكا الأصغر سناً ودوداً للغاية، ونجح في الفوز بقلوب جماهير آرسنال.
لكن حتى تلك المرحلة، كان الجناح الإنجليزي عنيداً ومثابراً ولا يتوقف عن المحاولة.
والنسخة الحالية من ساكا لا تزال تحتفظ بكل هذه الصفات، لكن الفارق أنه أصبح الآن أكثر صلابة بفعل المعارك التي خاضها.
لم يعد هناك لاعب كبير مثل أوباميانغ أو غرانيت تشاكا يستطيع ساكا الاتكاء عليه.
ساكا نفسه أصبح الآن واحداً من قادة آرسنال.
لقد تطور «الفتى النجم» ليصبح أحد أبرز وجوه آرسنال ومنتخب إنجلترا، وأصبح يتحدث ويتصرف بما يتناسب مع تلك المكانة.
