عبد الله الغذامي
كاتب سعودي
TT

العقل الواحد المتعدد

استمع إلى المقالة

يقع الإنسان ما بين عقلٍ فطير وعقلٍ صنيع، ونعيش نحن بين الفطير والصنيع، ويحدث كثيراً أن نصل إلى نقطة لا يفترق فيها الفطير عن الصنيع، ولنأخذ عقل هيغل وسنقول إنه عقلٌ صنيعٌ بمعنى أنه تصنع بجهد خاص من صاحبه الذي قرر إشقاء نفسه بالأسئلة ليصل لحقيقة معنى الإيمان بوجود خالق للكون ورأى أننا لا بد أن نمر من العقل الفردي إلى العقل الجمعي ثم ننتهي لعقلٍ مطلقٍ تتحد فيه الروح مع العقل في نقطة تزول فيها الفروق بين ما هو روحي وما هو عقلاني، وهي عنده منطقة الإيمان والشعر والحب وهي مرحلة التجلي القصوى. وهذه مرحلة معقدةٌ طرحها بطريقة معقدة أحوجت برتراند راسل للاستعانة بشراح هيغل كي يبسط فكرة المطلق عند هيغل.

وهنا نستحضر العقل الفطري الذي لا يحتاج لشقاء الأسئلة ويكتفي بما يمنحه الطمأنينة ليقول مثلاً «الله ما شفناه لكن بالعقل عرفناه»، وتكفيه هذه المقولة العامية لكي يؤمن بأن له رباً خلقه ويرزقه ويعينه حين يبتهل إليه، ولن يحتاج لفلسفة هيغل ولا لعقل هيغل. والاثنان معاً وصلا للخالق، ولكن أحدهما اختار الشك الفلسفي والشقاء العقلي وأمضى معظم عمره الفكري في البحث عن سؤال الخالق بينما الثاني اكتفى بمثلٍ سائر يستجيب لفطرته ويمنحه طمأنينةً في متناول نظرته وراحته.

هنا نرى الفارق بين العقل الصنيع والعقل الفطير، بين عقل هيغل وعقل فلاح بسيط أو راعي غنم غافل، يطربه ثغاء الشاه وسط العشب الذي نبت فطرياً ولم يحتج لتحلية مياه البحر. بينما الأشقياء من الفلاسفة والمفكرين والنقاد يظلون مأخوذين بالقلق المعرفي ولا يرون الراحة إلا عبر الشقاء. ولن يطمئنوا للعقل الفطير، ويأنسون فقط بما يشقيهم في حين يقول الشاعر البدوي الأحيمر السعدي «عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى / وصوّت إنسانٌ فكدتُ أطيرُ»، ويقابله المتنبي بقوله «ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ». وهذان خياران بين أن تستريح أو تقحم نفسك في شقاء الأسئلة، أي بين جانبك الفطير أو تطمح لتصنع غير الفطريّ. ولذلك يشقى ذوو العقول بينما يرتاح غيرهم حسب الزعم الثقافي، غير أن الواقع يشير إلى أن الشقاء أنواعٌ فهناك شقاء الأسئلة وهناك شقاء الإبداع. وكلاهما شقاء يرتضيه البشر ويتطلبونه ويجاهرون به، وهناك شقاءٌ نفسي يأتي من كدح الحياة وقسوة الظروف. وهذا شقاءٌ لا يفرق بين عقل وعقل ويقع فيه الفطريّ والفلسفي معاً.

وكما تشترك كل النفوس في الشقاء فإنها تشترك أيضاّ في العقل الفطير، وكل ذي عقلٍ كبير في حقلٍ ما سيكون فطيراّ في حقلٍ آخر، فالفيلسوف جاهلٌ مثلاً بعلم العروض أو في صناعة السلاح، وصانع السلاح فطيرٌ في مسائل النظريات النقدية. وهكذا تتبادل العقول الوظائف ما بين فطيرٍ ومعقد، وبين صنيع وفطري، وكلٌّ بعقله راضٍ من حيث إن كل عقلٍ صحيحٌ في حالته التي هو فيها، وسيتغير تبعاً لتحول الأحوال.

على أن أحوالنا كلها تتفاوت ما بين عقل وفطير وعقل صنيع فقد نبلغ مرحلةً عليا في تخصص ما أو فن ما فتكون عقولنا فيه رفيعة ومتميزة. وتقابلها حقول وأنشطة أخرى نظل فطريين معها. ولو افترضنا أن هيغل يعيش معنا اليوم وقرر دخول سوق الأسهم فهل ستنفعه نظرياته عن العقل الخالص والعقل المطلق، أم أنه سيقع ضحيةً لفطريته ويخدعه أصغر مستثمر مجرب. وهكذا هي أحوال البشر وتقلبات معقولاتهم وعقولهم في متواليات لا نهاية لها. وليس بمقدور عقل واحد أن يجيد كل مهارة بشرية، وسنظل عرضةً للنقص الذي يتقلب علينا ما بين حال لحال.

وكلما أحسسنا بالاكتمال فذاك طريقنا للهاوية. وهذه هي علة الآيديولوجيات الكبرى، تلك التي ترى أن بيدها حلولاً لكل تطلعات البشر، مما يجعلها تخلق الانحيازات وحالات الاستقطاب، ومن ثم الإقصاء والنفي لكل ما لا يتفق معها.

وهنا لنا أن نتصور حال ما نسميه «العقل المفتوح»، وهو ذاك العقل الذي يعي أنه ناقص، وأن العقول مختلفةٌ بالضرورة. ليس في ميولها فحسب، بل في قدراتها وتأهيلاتها. وليس هناك عقولٌ كبرى إلا بمقدار وعيها بنقصها وحاجتها لعقول أخرى غيرها ترى ما لا تراه وتقول ما لا تقوله، وهذا جوهر نظرية «التعددية الثقافية»، التي تمثل مرحلة ما بعد الحداثة وموت الكليات المطلقة.

والثقافة البشرية ذات طابع فسيفسائي، وإن اجتمعت فهو اجتماع الألوان وتناسقها ولكن عبر تمايزها وليس عبر إلغاء بعضها لبعض. ومن هنا فالعقل واحد يملكه الكل دون تمايز جذري، ولكن التمايز يأتي في «وظائف العقول» مما يجعله يتحول من مفرد كلي إلى متعدد وظيفي، والأخطر دوماً في ذلك كله هو العاقل الكامل ولنقل مدعي الكمال.