لطفي فؤاد نعمان
عضو مجلس الشورى اليمني، كاتب صحافي وباحث سياسي يمني، عمل مستشاراً إعلامياً لرئيس مجلس الشورى اليمني. يكتب في الصحف اليمنية والعربية وله إصدارات عدة في شؤون السياسة والتاريخ اليمني المعاصر.
TT

خيارات خاطئة

استمع إلى المقالة

في الحروب أهدافٌ تتحقق ومشكلاتٌ تتخلَّق تستوجب المتابعة المستمرة، وسط البلد الذي تُشَنُّ عليه الحرب، والبلد الذي قرر شَنَّ الحرب؛ كذلك البلدان المحيطة والمرتبطة بميدان الحرب من ناحية تأثيرها على حاضره ومحاولة تشكيل مستقبله.

أخطر المشكلات الناجمة عن الحرب الإيرانية من جهة والإسرائيلية الأميركية من جهة أخرى، تتبدى في تهديد الميليشيات للمضايق الدولية والممرات المائية وآبار النفط واشتعال أسعاره؛ مما يؤثر في الاقتصاد اليومي وحياة المواطنين البسطاء في كل العالم وتعرض أعمالهم لاهتزاز الأسواق واضطراب قيمة العملة وأزمات الطاقة. ناهيك عما يشيع من مخاوف ويأس وإحباط عام، ما لم تتسم بعض الدول بسمات الفاعل العاقل والقادر على تطمين المواطنين وتأمين حياتهم بشتى الوسائل بما لديهم من إمكانات واحتياطات معقولة إن لم تكن مهولة تُهوِّن توقعات الضرر.

على عكس بلدانٍ حرة «مستقرة» لا تستجيب لمحاولات جرها إلى الحرب، ترى البلدان غير المستقرة - ذات المخزون الاحتياطي الضخم من الاضطرابات والأذرع المأجورة، على مدى السنين الماضية - تستجيب لنداء الحرب حيث ينبري فاعلٌ غيرُ عاقلٍ يعلن انخراطه، كأنه غير مكتفٍ بما أوجع رأسه من ضربات خلال حرب غزة الأخيرة، بعدما أوقد حروب بلاده ونال سخطاً ورفضاً متناميين إلى ما بعد اللحظة... إنما «يَحُكُه جِلده»!

أول اندلاع «حرب التطرف والجنون» أخذت جماعة «أنصار الله/الحوثيين» تشيد بإيران الإسلامية وتصوِّرها «قوة خارقة» اتضح بما أصابها أنها «مخترقة». بيد أن قيادة الجماعة بثَّت الشك وهي تحشد المظاهرات وتلوح بالاستعداد للمبادرة والتدخل. برغم أنهم بعد ضربات العام الماضي... بدوا هادئين، فقيل «ربما عقلوا قليلاً» لكن «ظننت ظناً فخاب ظني، ظننت (عقلاً) فظهر جِني» يقرر الانخراط في الحرب وإطلاق الصواريخ نصرةً لطهران...

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ - وهو، ككل مبعوث أممي، يعتبره قطاع من المتصارعين اليمنيين متعاطفاً مع الحوثيين - بادر إلى التصريح بأن قرارهم «يُنذِر بجر اليمن إلى الحرب الإقليمية لما له من تداعيات تعقد محاولة حل النزاع اليمني».

ثمة عوامل أخرى أكثر تأثيراً على الحوثيين وأقوى من تصريح المبعوث الأممي، تجعلهم يذهبون إلى «مغامرات غير محسوبة» حسب بيان حكومي في أروقة اليمن الشرعية التي أصدر وزير إعلامها منشوراً يربط هذه المغامرات المتزامنة مع «وصول قيادات وخبراء إضافيين من (الحرس الثوري) إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي».

وصول ضباط «الحرس الثوري» الإيراني - وفق منشورات الشرعية - وانطلاق مغامرات الحوثي تشي بانضباطه والتزامه بغير مصلحة اليمن، وإن ظن نفسه يخدم وطنه بتمجيد وإسناد رعاته.

جماعة «أنصار الله/الحوثيين» باتخاذ قرارات وخيارات خاطئة تثبت ابتعادها عن جادة «الحكمة اليمانية» وتوثِّق اقترانها واقترابها من «الهواية الإيرانية»: خوض «حروب متقطعة»؛ لتنقلها من طور محلي إلى إقليمي وتجعل اسمها يُتداول دولياً.

ليس لدى الجماعة ما تخسره، لذا تقامر بكل شيء لا تملكه إذ لا تعي كيف تتحمل مسؤولية إعطاء المواطنين حقوقهم، لا جباية ما ليس لها. منطق الميليشيا يتناقض مع منطق نظام الدولة المسؤول، ويصدر عنها كل «لا معقول».

ما لم تبحث عن نهاية سارة لليمنيين، قد تختار ما تبلغ به نهايتها المحتومة؛ ولست تدري أتبعد النهاية أم تقترب؟ لكنها - وفق خياراتها - آتية حتماً، ما دام ليس همها تجنيب اليمن وقوع مزيد أضرار من التدخل في حروب الآخرين، وهذا أكبر هموم اليمنيين الآن... وكل آن.