د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

لبنان ومشكلة عمالة الأطفال

استمع إلى المقالة

يعاني اللبنانيون أزمات معيشية خانقة نتيجة الانهيار الاقتصادي الحادّ، وفي ظلّ حرب مدمّرة لم ترحم البشر ولا الحجر، وأكلت الأخضر واليابس؛ خصوصاً في الجنوب، وطردت وهجّرت ما يزيد على مليون نازح خارج المناطق الحدودية وما بعدها، ما جعل يوم الأول من مايو (أيار) يوماً للغضب والتحدّي لتسليط الضوء على معاناة الطبقة العاملة.

بدأ الاحتفال بيوم الأول من مايو في منتصف القرن التاسع عشر، بعدما انطلق من أستراليا وانتقل إلى أميركا وكندا؛ حيث أصبح في عام 1958 يوماً رسمياً عالمياً، لا سيما بعد أن اعترف به الكونغرس الأميركي والاتحاد السوفياتي السابق.

يحتفل العمال في معظم دول العالم في أيام مختلفة من شهر مايو من كل عام، ففي روسيا والصين والهند والدول العربية والدول الأوروبية، تكون المناسبة في الأول من مايو، وفي اليابان في 23 نوفمبر (تشرين الثاني)، بينما في أميركا يكون في يوم الاثنين الأول من شهر سبتمبر (أيلول)، ليكون هذا الحدث هو المناسبة الوحيدة التي تجمع بين الطبقات الاجتماعية والدينيّة والعرقيّة. ويمثّل هذا اليوم في الدول الغربية يوماً للاحتجاج والمطالبة بحقوق العمال لإصلاح وتحسين أوضاعهم، بينما في لبنان لا يعدّ سوى يوم عطلة وراحة.

إثر تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية المستمرة، والعدوان الإسرائيلي الذي أدّى إلى شلل واسع في القطاعات التجارية والسياحية وتضرّر سوق العمل، ارتفع معدّل البطالة في لبنان إلى مستويات عالية، ولكن للمفارقة، ارتفع معه معدل عمالة الأطفال نظراً لازدياد عدد النازحين واللاجئين السوريين، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين، وغيرهم.

فمن الأسباب الرئيسية والمباشرة لعمالة الأطفال في لبنان، عدم قدرة ربّ العائلة على إعالة أسرته وتوفير حاجياتها ومتطلّباتها الغذائية. ولكن يبقى السؤال: هل عمالة الأطفال تؤمّن حاجة الأسرة من الأمن الغذائي؟ بالطبع لا تغطي كل الحاجات الأساسية، ولكنها تسهم في تخفيف درجة الفقر.

الوضع في لبنان ينذر بالخطر الأمني، ويتّجه نحو مزيد من التصعيد الاقتصادي، فاللبنانيون يعيشون أزمة خانقة، وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل، وانهيار العملة والقدرة الشرائية، وتدنّي الأجور بحيث أصبحت لا تغطّي الحاجات الأساسية للأسرة، مما يدفع بعض الأسر - إن لم نقُل معظمها - إلى خيارات موجعة؛ أبرزها إرسال أطفالهم إلى سوق العمل بدل مقاعد الدراسة. وعمالة الأطفال في تصاعد مستمر منذ عام 2009، وقد ارتفعت النسبة من 9 في المائة عام 2020 إلى 15 في المائة عام 2023، رغم أن القانون اللبناني يحظر تشغيل الأطفال تحت سن 13 سنة.

وتشمل القيود الأعمال الخطرة لمن هم أقل من 16 أو 18 سنة؛ حسب نوع العمل، وألا يعمل الطفل أكثر من 6 أو 7 ساعات في اليوم، وغيرها من البنود. لذا تتعالى الأصوات في هذه المناسبة، وتدقّ ناقوس الخطر بحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، وإصلاح قانون عمالة الأطفال، وتوفير بدائل تعليمية اجتماعية ومادية.

في عام 2000، أعلنت الحكومة اللبنانية رسمياً التزامها بإنهاء عمل الأطفال، وأطلقت مع «اليونيسف» ومنظمة «العمل الدولية» برنامجاً لمكافحة عمل الأطفال، وأصدرت في عام 2012 المرسوم رقم 8987، الذي يحظر صراحةً تشغيل الأطفال في أعمال تكون فيها صحتهم الجسدية والنفسية معرّضة للخطر، وتم تخفيض السن من 18 إلى 16، كما نصّ المرسوم على عدم تشغيل القاصرين في الأنشطة الزراعية التي تتطلَّب تشغيل آلات زراعية حادة خطرة، أو التعامل مع المبيدات الحَشَريَّة أو الأسمدة أو النباتات السامَّة، أو العمل لأكثر من 4 ساعات يومياً. ورغم ذلك لا تزال الزراعة المجال الذي تكثر فيه عمالة الأطفال، وغالباً ما تبدأ قبل سن 10 سنوات. إلا أن ظاهرة أعداد الأطفال العاملين تزداد يوماً بعد يوم، بفضل تهجير سكان القرى الجنوبية من قِبل إسرائيل، وازدادت معها الظروف السيئة لاستغلال اليد العاملة الرخيصة.

وتبرّر وزارة العمل على لسان المسؤولين ذلك بغياب التمويل اللازم لتنفيذ الخطة التي أطلقتها اللجنة الوطنية للقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، وارتباط وزارة العمل بالوزارات الأخرى، كوزارات الشؤون والعدل والصحة، وغيرها. وننوّه بأن الثغرة الأساسية هي عدم وجود ميزانية لمكافحة عمل الأطفال، إلى جانب انعدام التمويل من قِبل الجهات المانحة والمنظمات الدولية، وأن «منظمة العمل الدولية»، المعنية مباشرة بالملف، والمسؤولة عن الدعم المادي والتقني، تكتفي بإصدار التقارير.

هذا غيضٌ من فيض مما يمكن أن يُقال عن عمالة الأطفال في لبنان الذي يشكو من غياب الرقابة الضرورية والرئيسية، التي تراعي نوعية العمل وظروفه الصحية والبيئية، وما يتعرّض له الأطفال من إيذاء جسدي ونفسي ولفظي وتحرش؛ خصوصاً الفتيات العاملات.