سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

وجها السقوط

استمع إلى المقالة

يوم الاثنين الماضي اغتال صاروخ إسرائيلي عنصراً من «الحرس الثوري الإيراني» في شقته بالعاصمة اللبنانية. لا جديد في الأمر. لقد أصبح هذا النوع من الاغتيالات نمطاً يومياً. ولم يعد محصوراً في مناطق معينة من بيروت وضواحيها. الجديد في الأمر هو الرمز الذي يحمله حادث واحد: من ناحية أن يسمح عنصر عسكري إيراني لنفسه أن يقطن بين الأهالي ويعرض حياتهم للخطر، ومن ناحية ثانية أن تسمح المخابرات الإسرائيلية لنفسها بقتل الرجل وقتل سيادة لبنان. القاتل والقتيل يعتبران لبنان مجرد امتداد للصراع بينهما. ليس منذ اليوم بل منذ 50 عاماً على الأقل. والفريق الضعيف أو المهان أو الذي لا كلمة له، هو الدولة اللبنانية.

لأن الدولة، مثل الأهالي، منقسمة بعضها على بعض. وبسبب ضعفها لا تستطيع إصدار قرار اتهامي في أخطر القضايا، مثل قضية انفجار مرفأ بيروت، أو في أصغرها، مثل قضية «أبو عمر». وخلاصة هذه أن رجلاً من الصعاليك كان يعد السياسيين الطامحين بإيصالهم إلى رئاسة الحكومة لقاء مبالغ مالية كبرى. وكان يدعي أنه مسؤول خليجي!

ولما كثر عدد الموعودين بجنة «أبو عمر» وانكشف أمره وتبين أنه عامل حدادة في كاراج للسيارات العتيقة. انقلب لبنان على ظهره من الضحك لأخبار «أبو عمر» وامتلأت الصحف بالطرائف. ثم فرغت فجأة من أي ذكر له. ماذا حدث له؟ وماذا حدث لضحاياه؟ سلامتك.

قصة «أبو عمر» من النوع الذي يتكرر في كل البلدان. والطابع اللبناني هنا هو في أعداد الذين يريدون الوصول إلى القصر الجمهوري وهم مجهولون عند الجميع إلا عند عامل حدادة في قضاء عكار.

مثلان، واحد درامي يدعو إلى الخوف وآخر يدعو إلى الضحك، يدلان على انعدامية الدولة. وعلى صعوبة أو استحالة استعادتها. يتصرف رئيس الوزراء نواف سلام كرجل دولة يتمسك بالدستور مائة في المائة. لكن اللبنانيين نسوا مع الوقت ما هو الدستور. أو لماذا وضع في الأساس.