في لحظات التوتر الكبرى، تميل بعض القوى إلى الاعتقاد بأن القوة العسكرية قادرة على إعادة رسم التوازنات بسرعة، أو فرض وقائع جديدة على الأرض، غير أن التجربة الحديثة تثبت، مرة بعد أخرى، أن الحروب، خصوصاً في المناطق الحساسة استراتيجياً، لا تحسم الأزمات، بل تعمّقها، وتُدخل الجميع في دوامة خسائر مفتوحة.
ما نشهده اليوم من حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، لم يكن نتيجة حتمية لمسار مغلق، بل جاء في وقت كانت فيه قنوات الحوار لا تزال قائمة، وإن كانت هشة، ومن هنا، فإن قرار الانزلاق إلى المواجهة قطع الطريق أمام المسار الدبلوماسي، وعلّق فرص التفاهم التي كانت، رغم صعوبتها، ممكنة.
في المقابل، فإن استهداف إيران جيرانها في دول الخليج يمثل تطوراً مداناً ومرفوضاً، لأنه لا يضيف إلى أي معادلة قوة، بل يخلق فجوة ثقة عميقة بين دول الجوار، ويؤسس لخصومات لا تخدم استقرار المنطقة ولا مستقبلها، فالعلاقات بين الجيران لا تُبنى على تبادل الرسائل العسكرية، بل على حسن الجوار، والمصالح المشتركة، والاحترام المتبادل.
في خضمّ هذا التصعيد، برز موقف دول مجلس التعاون الخليجي بوصفه نموذجاً في الحكمة الاستراتيجية وضبط النفس، فرغم الاعتداءات المباشرة، اختارت هذه الدول عدم الانجرار إلى ردود فعل عسكرية، إدراكاً منها أن توسيع دائرة المواجهة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
هذا النهج لا يعكس ضعفاً، بل يعبِّر عن رؤية عميقة لطبيعة المرحلة، وعن إدراك بأن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي هو مصلحة جماعية تتجاوز الحسابات الآنيَّة، كما أنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن المسؤولية السياسية لا تقاس برد الفعل، بل بقدرة الدولة على تجنب الانزلاق إلى ما لا يمكن السيطرة عليه.
خطورة هذا النزاع لا تكمن فقط في بعده العسكري، بل في موقعه الجغرافي، فمضيقا هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين مائيين، بل شريانان حيويان للاقتصاد العالمي، وأي تهديد لهما لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل يمتد إلى التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي الدولي.
لقد بدأت ملامح هذا التأثير تظهر بالفعل، مع ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكلفة الشحن، وتنامي القلق في الأسواق، وهو ما يعيد تأكيد حقيقة أن أمن هذه الممرات لم يعد قضية إقليمية، بل مسؤولية دولية مشتركة.
قد يتوهم بعض الأطراف أنها قادرة على تحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية، لكن الواقع أكثر تعقيداً، فحتى لو تحقق تفوق مرحلي، فإن التكلفة طويلة الأمد -اقتصادياً وسياسياً وأمنياً- تجعل من الصعب الحديث عن «انتصار» حقيقي.
إيران ستواجه ضغوطاً متزايدة، داخلياً وخارجياً، والولايات المتحدة ستتحمل أعباء استراتيجية إضافية في منطقة شديدة التعقيد، ودول المنطقة ستدفع ثمن الاضطراب، سواء من أمنها أو اقتصادها. أما الاقتصاد العالمي، فسيجد نفسه أمام موجة جديدة من التضخم وعدم اليقين.
والحقيقة الأوضح هي أن هذه الحرب، أياً كانت نتائجها، لن تُنتج رابحاً صافياً، بل ستترك الجميع أمام خسائر متفاوتة.
إن استمرار هذا المسار التصعيدي لا يخدم أحداً، بما في ذلك إسرائيل التي قد تعتقد أن إطالة أمد الصراع أو توسيعه يمنحانها مكاسب استراتيجية توسعية في دول الجوار، كما تفعل في لبنان وسوريا حالياً، غير أن التجربة تُثبت أن الأمن لا يُبنى على الحروب الدائمة، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر تسويات سياسية عادلة.
طال الزمن أو قصر، لن تكون إسرائيل مستفيدة من بيئة إقليمية مشتعلة، بل ستكون كغيرها عُرضةً لارتدادات عدم الاستقرار. ومن هنا، فإن الخيار الأكثر عقلانية هو العودة إلى منطق السلام، بوصفه الطريق الوحيد لتحقيق أمن مستدام.
ما يجري اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل اختبار لإرادة المجتمع الدولي وما إذا كان سيختار الانزلاق نحو مزيد من المواجهة، أم يستعيد منطق الحوار؟ إن الدرس الذي يجب ألا يُغفل هو أن الحروب، حين تفقد صلتها بالعقل السياسي، تتحول إلى عبء على الجميع، وأن السلام، مهما بدا صعباً، يظل الخيار الأقل تكلفة والأكثر واقعية.
وفي عالم مترابط ومتداخل في المصالح والشراكات، كعالمنا اليوم، لم يعد ممكناً أن يخسر طرف من دون أن يخسر الجميع معه.
