فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

الأزمة الحاليّة وآثارها الاقتصادية العالمية

استمع إلى المقالة

مع الأزمة الحالية وانعكاساتها على الاقتصاد؛ وتذبذب الأسعار والخوف العام من تداعياتِ وآثار غلق «مضيق هرمز»، تجددت الأطروحات المتوجسة، وقد قارب مسألةَ المخاوف الاقتصادية المحللُ الاقتصادي غالب درويش، الذي كتب في مقالةٍ له في صحيفة «إندبندنت» بنسختها العربية، أنه «لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق يصل الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب، ولا مجرد نقطة عبور يومية لناقلات النفط والغاز، بل صار في قلب معادلة أوسع تجمع الطاقة بالقانون الدولي والعقوبات والردع العسكري، الممر الذي ظل لعقود عنواناً لحرية الملاحة واستقرار الإمدادات تحول مع تصاعد الأزمة إلى مساحة اختبار لقدرة إيران على استخدام الجغرافيا في إنتاج ضغط مالي وسياسي من دون إعلان إغلاق كامل».

هناك أطروحات أخرى متعددة حول مصير ومآل هذا الموضوع، ولكن لنعد إلى التاريخ النظري القديم والفعّال في مجال الاقتصاد، مثلاً في عام 1776 طبع آدم سميث كتابه «ثروة الأمم». وقد تزامن طرح الكتاب مع مرحلة وصدفة.

أما المرحلة فهي بدء الثورة الصناعية، و«الصدفة المحكمة» (كما يعبّر بي جي أورورك في ملاحظاته على الكتاب)، فهي استقلال الدولة الرأسمالية العظمى أميركا، ومبادئ سميث تزحزح بعضها، وبقي بعضها الآخر، لكن الوشوم التي تركها في جسد الاقتصاد ونظريته لن تزول.

سميث جعل معيار مقياس الثروة لا ما يكدَّس في الخزائن المقفلة بل بمجمل الإنتاج، وفصل بين الاقتصاد والأخلاق، مع أنه درّس في فلسفة الأخلاق، وألّف قبل «ثروة الأمم» كتابه «نظرية المشاعر الأخلاقية» عام 1759، والتقى مواطِنه الفيلسوف الاسكوتلندي ديفيد هيوم، وشجّعه على الاستمرار في تأليف هذا الكتاب. يصمه نقاده بأنه خدش معايير أخلاقية حين وضع مبادئه على أسس الحرية الاقتصادية، محرراً إياها من تكاليف الرعايات التقليدية، واعترض على القيود الاقتصادية؛ فالتجارة حين تكون حرة فهي تبادلية الفائدة والمنفعة. وجُنّ جنون ماركس من نظريته في «القيمة والعمل».

يشرح بي جي أورورك في ملاحظاته على كتاب «ثروة الأمم» كاتباً: «كشف آدم سميث سر الاقتصاد المبهم بجملة خاطفة كلمح البصر: (الاستهلاك هو الغرض الوحيد للإنتاج كله)، لا يوجد سر مكنون. أبعد سميث (الميتا) عن (الفيزيقا) فالاقتصاد هو بالضبط عيشنا ورزقنا وحياتنا ولا شيء سواها (ثروة الأمم) تقوم على 3 مبادئ رئيسية: السعي وراء المصلحة الشخصية، وتقسيم العمل، وحرية التجارة».

لبّ نظرية سميث تؤكد ضرورة تحرير الاقتصاد من كل ما يمكن أن يعرقل حركته، فالنماذج الاقتصادية تُبنى على أسس المنفعة والمصلحة بشكل أساسي.

ولما كانت المصلحة الشخصية مركزية في غريزة الإنسان، رأى سميث أن نظريته يجب أن تنطلق من واقع الإنسان القائم، لذلك كتب في «اليد الخفية» أن «المنافع التي تسببها المصالح بين أفراد المجتمع ليست ضرورياً أن ترتبط بالخيرية. فالمنفعة التي يوفّرها البقال إنما توفرت انطلاقاً من نظرته هو المنفعية، فالمنافع التي تتهيأ بسبب العمل من أجل المصالح الشخصية تنعكس على أفراد المجتمع، وهي منافع تأتي كنتائج ثانوية لدوران طموحاتنا ومصالحنا في الواقع».

الخلاصة؛ أن هذه الأزمة التي يعيشها العالم وسيتجاوزها قريباً أعطت العالم فكرة أساسية عنوانها تبويب الاقتصاد العالمي على أسسٍ يمكنها أن تستبق الاحتمالات غير المتوقعة والاستعداد لمواجهة العمليّات الشريرة التي يمكن أن تحدث.

إن نقض المعيارية وهو المفهوم الذي طرحه سميث يعني التفوّق الاستباقي للممارسات الإرهابية التي ربما تضرّ بالاقتصاد العالمي وبحيويّة البشر الدنيوية، وأكثر المتضررين من هذا الاضطراب دول لم تتوقع هذا السلوك مثل الصين، التي لم تتوقع أن يمارس النظام الآيديولوجي الإيراني هذه المغامرة الغاشمة، بل نرى الأرقام تتحدث عن اضطرابٍ في يوميّات الإنسان في الدول الغربية، التي بقيت بعضها ولعقود داعمةً للنظام الإيراني على المستويين السياسي والاقتصادي.

نعم، إن دول الخليج ومعها بعض دول الإقليم كانت تدرك أن إيران دولة متوثّبة مصرة على تصدير ثورتها إلى خارج حدودها وإنشاء بؤر توتر في المنطقة. ولولا هذا لم تكن هناك أي مشكلة مع إيران، لكن إيران ما زالت متمادية في هذا الطريق. الآن العالم يعاني من أزمة حقيقية عطّلت الاقتصاد العالمي، وأثّرت على حياة الناس.