د. عمرو الشوبكي
TT

دفتر حروب الشرق الأوسط

استمع إلى المقالة

قارن البعض بين «العدوان الثلاثي» على مصر في 1956، و«العدوان الأميركي الإسرائيلي» على إيران، في مقارنة جانبها الصواب؛ لأنها اهتمت بجانب واحد، وهو رفض السياسات الاستعمارية الغربية، وأغفلت عوامل أخرى مثّلت شروطاً موضوعية للانتصار، وليس فقط محاربة الاستعمار، سواء سمي بالإمبريالية أو قوى الاستكبار.

والحقيقة أن حرب 1956 كانت نتيجة تأميم مصر لقناة السويس، وهو في حد ذاته حدث وطني بامتياز أن قام بلد باستعادة حقه المشروع في قناة يمتلكها ولم يعتدِ فيه على دولة أخرى، تحت حجة أنها حليفة لقوى العدوان، كما فعلت إيران حين استهدفت دول الخليج تحت حجة أن بها قواعد أميركية، ونسيت أو تناست أن هذه الدول رفضت جميعها الدخول في الحرب مع القوات الأميركية.

في 1956 كان لمصر خطاب تحرر وطني «مجمع» ضد الاحتلال والاستعمار والهيمنة، وكان له صدى هائل في دول العالم الثالث، وشهدنا تضامناً عربياً شعبياً ورسمياً مع قرار التأميم من السعودية حتى المغرب، تجاوز الدعم المعنوي والسياسي ليصل إلى حد المشاركة في القتال ضد قوات العدوان الثلاثي.

أما في 2026، فنحن أمام مشروع وطني إيراني يعمل على امتلاك سلاح نووي ولديه طموح إقليمي ويمتلك أدوات قوة وقاعدة صناعية وعلمية وأيضاً قدرة على الصمود والرد، ولكنه لم يترك لشعوب المنطقة فرصة تقييم هذا المشروع من دون تدخلات منه بالاتفاق أو الاختلاف معه، إنما حاولت إيران أن تفرضه بالقوة على بعض دول المنطقة عبر نموذج تصدير الثورة تارة، أو عبر الميليشيات المسلحة تارة أخرى.

المشهد السياسي والإقليمي في 2026 هو تقريباً عكس ما جرى في 1956، فالنظام الإيراني ترك مرارات في أكثر من بلد عربي حين تدخل مع حليفه الأول «حزب الله» لدعم النظام الساقط في دمشق، وارتكب جرائم مخزية بحق الشعب السوري تركت جراحاً لم تندمل بعد، كما أن دعمه للحوثيين كان عامل انقسام داخل اليمن، وكذلك دعمه للفصائل العراقية المسلحة مَثّل أحد الأسباب الرئيسية في إضعاف الدولة، وكان مصدر انقسام داخل العراق.

من الصعب تجاهل البيئة الحاضنة لمشاريع مقاومة هيمنة القوى الكبرى في كل تجارب التحرر الوطني، وبخاصة أن توازن القوى في صالح القوى الكبرى أو الاستعمارية، وأن تعويض هذا الفارق قد يتم ليس فقط بمشروعية أخلاقية تتعلق بخطاب دول التحرر، وإنما أيضاً بحالة «إجماع وطني» داخلي، والحصول على دعم الغالبية العظمى من الدول الرافضة لسياسات القوى الكبرى، وهو ما توفر في 1956، وغاب عن 2026.

الأمر اللافت أن القليل من المعارك التي انتصرت فيها شعوب المنطقة كانت دائماً مرتبطة بتوافق ودعم من شعوب المنطقة تجاه الدولة المستهدفة من القوى الكبرى، فهذا ما جرى في 1956 الذي عوض الصمود الشعبي والدعم العربي والدولي الانكسار العسكري وحوّل المعركة إلى نصر كبير، ولكن غياب هذا الدعم في 1967، وسوء الأداء العسكري والسياسي، أديا إلى الهزيمة التي استدعت تصحيح الأخطاء وبناء توافق عربي اتضح عقب القمة العربية في الخرطوم في 1968، ونالت مصر دعماً عربياً وأفريقياً ساهم في انتصار حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

واللافت أن لبنان قدم نموذجاً واضحاً كـ«الشمس» للحالة الوحيدة التي انتصر فيها «حزب الله» عسكرياً وسياسياً ومعه لبنان كله حين نجح في قيادة فصائل المقاومة عام 2000 من أجل تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، فكنا أمام حرب تحرير وطنية ناجحة «كما يقول الكتاب»، واختلف الأمر مع حرب «إسناد غزة» وحرب «إسناد إيران» اللتين دخلهما «حزب الله» ورفضتهما الغالبية العظمى من اللبنانيين، بمن فيهم جانب من حاضنته الشيعية، وكانت النتائج سيئة على الحجر والبشر والسلم الأهلي.

كان يمكن لإيران أن تعتمد على دعم الشعوب العربية ودول المنطقة في مواجهة سياسات الإخضاع والهيمنة الإسرائيلية لو كانت دولة طبيعية ليست لها أذرع تتدخل بخشونة في شؤون كثير من الدول، وهددت التماسك المجتمعي في دول أخرى، أو لو كانت بنت نموذجاً سياسياً يترك لشعوب المنطقة قبوله أو رفضه أو التعامل معه بشكل مصلحي، بعيداً عن نموذج «تصدير القلاقل» ومحاولة فرض الوصاية على دول المنطقة.

إذا أرادت دولة أن تدخل معركة مع دولة كبرى أو عظمى وتعرف أن قدراتها أضعف منها، فإن انتصارها لن يكون بصمودها فقط وإنما بدعم الدول الجارة والشقيقة أو الرافضة لهيمنة القوى الكبرى، كما جرى مع مصر في 1956، ولم يحدث مع إيران في 2026.

ما زال العالم العربي، وفي القلب منه دول الخليج، يرغب أكثر من غيره في الحفاظ على إيران وشعبها ومقدراتها، وأيضاً تغيير سلوك نظامها ليصبح نظاماً طبيعياً لا يفرض بالقوة توجهاته على باقي خلق الله.