د. محمد النغيمش
كاتب كويتي متخصص في علوم الإدارة. حاصل على الدكتوراة في القيادة من كلية ساوثهامبتون للأعمال في المملكة المتحدة وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ماستريخت الهولندية. ألف عدداً من الكتب منها "عقلية الإسفنجة".
TT

قواعد الاشتباك

استمع إلى المقالة

يكثر الحديث في العُرف العسكري عن مفهوم «قواعد الاشتباك»، وهي تعليمات تحدد ما المقبول وغير المقبول فعله في المعارك، مثل متى وأين تستخدم القوة، ومتى يُمنَع ذلك كله.

ليست هناك قواعد اشتباك موحدة دولياً. فكل جيش، بعد الحرب العالمية، صار يحدد قواعده بنفسه لكل عملية عسكرية. والأمر نفسه لقوات الأمم المتحدة والمشتركة. فقد تسمح قواعد الاشتباك باستخدام القوة في حالتين: الدفاع عن النفس، ومساعدة أفراد في حالة خطرة. ومن القواعد أيضاً عدم المساس بدُور العبادة، والمرافق المدنية والسكنية، والمستشفيات والمعالم التاريخية والثقافية وغيرها.

الأمم المتحدة ترى أن القوة لا تستخدم إلا بمبررات ضرورية جداً، وتجاهل ذلك يحولها إلى «اعتداء». وهذا ما يدفع الجيوش إلى تجنب إلحاق الضرر بكل من يرتدي «الخوذة الزرقاء» لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام.

من دون قواعد، تدب الفوضى في ميادين الحياة. فمن أوقف توسع الحريق العظيم في لندن عام 1666، كانت قاعدة هدم المنازل الملاصقة لخلق فراغ يوقف زحف الحريق الذي التهم أكثر من ثلث العاصمة. ولولا قواعد الملاحة البحرية القديمة - التي ما زالت قائمة - لتصادمت السفن في عرض البحار.

فكرة قواعد الاشتباك لا تقتصر على ساحات الحرب.

فمن قواعد الممارسات الإعلامية التحقق من المصدر، وإعطاء حق الرد، والفصل بين الخبر والرأي. وعندما يتطرف الضيف في الهجوم على طرف غائب نُذكره بأن المعنيَّ ليس موجوداً في الاستوديو للرد.

وفي منظمة التجارة العالمية، تُدفع الدول الأعضاء إلى اللجوء لنظام فض النزاعات قبل التسرع في إعلان حروب تجارية.

في العلاقات الإنسانية، هناك قواعد تحكمها، مثل تجنب الإهانة في أثناء الخلاف، وعدم نشر الأسرار، والفصل بين المشكلة والشخص. هي، بعبارة أخرى، قواعد لإدارة الصراع.

من قواعد الاجتماعات، أن نُرحب بنقد الفكرة لا صاحبها، وعدم المقاطعة من دون مبرر، واحترام الوقت ومَن يدير اجتماعنا. هذه الأسس تمنعنا من الانزلاق إلى المشاحنات.

وكم مِن تصرف بسيط نزع فتيل أزمة. فصافرة حَكم مباراة خاطفة تُوقف اشتباكاً عنيفاً. وكذلك الحال في رفع الجلسة البرلمانية عند احتدام النقاش، وتعليق الجلسة القضائية لتهدئة الأطراف أو منحهم فرصة جديدة.

ولهذا فالحروب ليست وحدها التي تحتاج إلى قواعد اشتباك. فالمؤسسات والعلاقات والإعلام والتجارة وغيرها كلها ميادين مواجهة من نوع آخر. وحين تغيب القواعد، لا ينتصر أحد... بل تنتصر الفوضى.