ليست الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أول حرب تُرفع فيها شعارات كبرى مثل تغيير النظام أو القضاء على أسلحة الدمار الشامل. فقد تكررت هذه الأهداف أكثر من مرة خلال العقود الأخيرة، وفي معظم الحالات لم تتحقق كما تخيلها من أطلقوها، بل انتهت بنتائج ملتبسة وفي الغالب كارثية. تجارب مصر والعراق وليبيا وأفغانستان منذ الخمسينات من القرن الماضي تمثل مختبراً تاريخياً لاختبار هذه المقولة التي تكررت وتحولت إلى ذرائع أكثر منها سياسات أو أهداف حرب قابلة للتحقق.
لطالما ارتبطت التدخلات العسكرية الغربية في الشرق الأوسط بشعارات كبيرة ومبررات أخلاقية أو سياسية جذابة. فمنذ حملة نابليون على مصر التي رُوّج لها باعتبارها «مهمة حضارية»، مروراً بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وصولاً إلى الحروب الحديثة في العراق وليبيا وأفغانستان، تتغير الشعارات، لكن الفكرة الأساسية تبقى واحدة: تدخل عسكري لتحقيق هدف سياسي كبير، مثل حماية الأمن الدولي، أو نزع أسلحة خطرة، أو تحرير الشعوب من أنظمتها السياسية.
غير أن رد فعل المجتمعات المحلية كثيراً ما يسير في اتجاه مختلف. فبدل أن يبقى الصراع رأسياً بين شعب وقوة خارجية، يتحول أحياناً إلى صراع أفقي داخل المجتمع نفسه أو بين المجتمعات العربية وبعضها، حيث تتفكك التوازنات الداخلية وتظهر صراعات بين فئات وقوى محلية، فيتحول الضعف إلى صراع بين الأشقاء بدل أن يكون مواجهة مع الخارج.
في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أعلنت بريطانيا وفرنسا أن الهدف هو حماية الملاحة في قناة السويس ووقف القتال بين مصر وإسرائيل بعد قرار تأميم القناة، لكن إسقاط نظام جمال عبد الناصر كان هدفاً ضمنياً كذلك. شارك في العملية نحو 125 ألف جندي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وحققت القوات المهاجمة تقدماً عسكرياً سريعاً. ومع ذلك انتهت العملية بانسحاب كامل تحت ضغط دولي شديد، خصوصاً من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. لم يسقط النظام المستهدف، بل خرج عبد الناصر أكثر قوة في الداخل العربي، وأصبحت أزمة السويس بداية انحسار الإمبراطورية البريطانية، إذ لم تمض سنوات حتى سقطت عدن وتراجع النفوذ البريطاني ليحل النفوذ الأميركي تدريجياً محله.
بعد ثلاثة عقود تقريباً انتهت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، لكن العراق دخل سريعاً في أزمة جديدة عندما غزا الكويت في أغسطس (آب) 1990. يومها انقسم العرب بين مناصر للحق ومدافع عن الباطل بدوافع مختلفة، بعضها سياسي وبعضها ناتج عن العجز أو محاولة التعويض الرمزي.
بعد سبعة أشهر قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً ضخماً لتحرير الكويت. تحقق الهدف العسكري بسرعة نسبية، وكان من حكمة الرئيس الأميركي جورج بوش الأب أن يتوقف عند هذا الهدف دون توسيع الحرب إلى إسقاط النظام في بغداد. وحتى عندما أطلق صدام حسين صواريخ «سكود» على إسرائيل، ضغط بوش على تل أبيب كي لا ترد حتى لا تتغير طبيعة الصراع أو تتبدل شرعية الحرب في نظر الرأي العام العربي والدولي.
بعد هزيمة العراق في حرب الخليج بقي نظام صدام حسين في السلطة رغم ضعفه الشديد. وانتهت سلطة صدام بغزو العراق عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة في عهد جورج بوش الابن. جاء الغزو بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وفي أجواء غضب أميركي عارم، تحت شعار القضاء على أسلحة الدمار الشامل وتغيير النظام وإقامة نموذج ديمقراطي في العراق يمكن أن يمتد إلى المنطقة.
دخلت القوات الأميركية بغداد بسرعة وسقط النظام خلال أسابيع في مشهد بدا وكأنه انتصار عسكري حاسم. لكن المرحلة التالية كشفت تعقيدات مختلفة تماماً. فقرارات الحاكم المدني بول بريمر، مثل حل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة المرتبطة بحزب «البعث»، أدت إلى تفكيك البنية المؤسسية للدولة العراقية.
النتيجة لم تكن مجرد تغيير للنظام، بل انهيار واسع في مؤسسات الدولة، ما فتح الباب أمام تمرد مسلح وصراع طائفي طويل. قُتل أكثر من 4800 جندي من قوات التحالف وسقط عشرات الآلاف من العراقيين، إضافة إلى نحو 120 ألف قتيل مدني موثق. ورغم إسقاط النظام بقيت نتائج الحرب موضع جدل حتى اليوم بسبب الفوضى التي أعقبتها.
وهذا مثال قريب ينبغي التأمل فيه كلما ارتفعت الأصوات التي تتحدث عن احتمال سقوط النظام في إيران. فهناك فرق جوهري بين إسقاط نظام سياسي وتفكيك دولة كاملة. ما حدث في العراق لم يكن مجرد تغيير للسلطة بقدر ما كان انهياراً في بنية الدولة نفسها، وهو ما جعل إعادة الاستقرار عملية طويلة ومكلفة.
تكرر المشهد بصورة مختلفة في ليبيا عام 2011. أعلن حلف شمال الأطلسي أن هدفه حماية المدنيين وفرض منطقة حظر جوي. نفذ الحلف أكثر من 26 ألف طلعة جوية وسقط نظام معمر القذافي خلال ثمانية أشهر. كان الانتصار العسكري مدمراً ومبهراً، لكن ليبيا دخلت بعدها في مرحلة طويلة من الانقسام السياسي والصراع المسلح، وما زالت الدولة حتى اليوم تبحث عن استقرار مؤسسي واضح.
أما الحرب في أفغانستان التي بدأت عام 2001 فقد انطلقت بهدف القضاء على تنظيم «القاعدة»، ومنع استخدام البلاد قاعدة للهجمات بعد أحداث 11 سبتمبر. بلغ عدد القوات الأميركية في ذروة الحرب نحو مائة ألف جندي واستمرت العمليات العسكرية عشرين عاماً. ومع ذلك انتهت الحرب بانسحاب القوات الغربية وعودة حركة «طالبان» إلى الحكم عام 2021، في مشهد يعكس حدود القوة العسكرية عندما لا تتحقق الأهداف السياسية الأوسع.
تكشف هذه التجارب مفارقة واضحة في الحروب الحديثة: سرعة الانتصار العسكري لا تعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي للحرب. ففي كثير من الأحيان تبدأ المرحلة الأصعب بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى، عندما يصبح السؤال الحقيقي هو كيف يمكن تحويل النصر العسكري إلى استقرار سياسي دائم.
في هذا السياق تبدو المواجهة مع إيران مختلفة في بعض الجوانب ومتشابهة في جوانب أخرى. فهي تشبه حرب العراق عام 2003 في خطاب إزالة التهديد الاستراتيجي ومنع انتشار القدرات العسكرية الخطرة، وتشبه حرب الخليج عام 1991 في الاعتماد الكبير على التفوق الجوي والتكنولوجي.
لكنها تختلف في نقطة أساسية: إيران ليست دولة منهكة أو معزولة بالكامل. فهي تمتلك منظومة صاروخية واسعة، إضافة إلى شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في أكثر من ساحة إقليمية. وهذا يعني أن أي صراع معها قد يتجاوز حدودها الجغرافية ليصبح مواجهة إقليمية أوسع وخلطاً كبيراً للأوراق في المنطقة.
ولهذا ربما يكون الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ الحديث هو أن كسب المعركة العسكرية ليس التحدي الأكبر. التحدي الحقيقي يبدأ في اليوم التالي للحرب: كيف يتحول الانتصار العسكري إلى نظام سياسي مستقر، وكيف يمكن تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي أعلنتها الحرب في البداية.
ستنتهي الحرب قريباً، ولكن تلك لن تكون الزيارة الأميركية الأخيرة لإيران.
