د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

«السوشيال ميديا» القبيحة تربح في الحرب الإيرانية

استمع إلى المقالة

في زمنٍ تهاوت فيه الحدود بين الرصاصة والكلمة، وبين ساحة المعركة وشاشة الهاتف المحمول، لم تعد الحروب تُدار بالمدافع والصواريخ والمُسيّرات وحدها، بل بصنوف من الخديعة تُبطل مفعول الحقيقة باطراد. فعلى امتداد الأيام الدامية للحرب الإيرانية الحالية، لم تكن الطائرات المُسيّرة والصواريخ، وحدها التي تعبر الأجواء، بل عبرت معها جحافل من الأكاذيب والروايات المسمومة، التي صيغت بعناية في مختبرات رقمية، لتستقر في عقول الملايين. إنها حرب موازية، تخوضها «السوشيال ميديا» القبيحة، التي أثبتت أنها قادرة على كسب معارك قد لا تستطيع الجيوش ربحها.

ليست المصادفة وحدها ما يجعل الذكاء الاصطناعي حليفاً وثيقاً للحرب النفسية في هذا الصراع. فما كانت بالأمس أدوات دعائية بدائية، صارت اليوم تقنيات دقيقة تعيد تشكيل الواقع بصور مُفبركة وأصوات مُركبة.

مشاهد لناطحات سحاب تلتهمها النيران، وأخرى لحاملات طائرات تغرق في مياه الخليج، كلها كانت مجرد خداع بصري مُتقن، غايته الأساسية تضخيم الانتصارات الوهمية وإيهام المشاهد بأن معادلة الردع قد انقلبت رأساً على عقب. وفي خضم هذا الضجيج البصري والمعرفي، تذوب الحقيقة كقطعة ثلج على صفيح ساخن.

غير أن الخطر الأشد إيلاماً لا يكمن في خداع العدو، أو استهدافه بالحرب النفسية والترويع المعنوي، بل في تغذية الانقسام بين الأشقاء، وزرع الفتنة بين الحلفاء. هنا تبرز بشاعة الوجه الشائن لـ«السوشيال ميديا» في أبهى تجلياته: توظيف الانتماءات الوطنية والخلافات المذهبية والهويات الفرعية وقوداً لإشعال فتنة تأكل الأخضر واليابس.

وعلى مدار الأيام الماضية، رصد باحثون ومحللون متخصّصون حملات مُنسقة تستهدف الجمهور العربي، ليس لإقناعه بعدالة موقف طرف في مواجهة طرف آخر في تلك الحرب الدامية، بل لبثّ سموم الشكوك حول نوايا الشعوب إزاء بعضها بعضاً. تُصنع هويات مزيفة لعرب من دول الخليج ومصر والشام، ثم تُطلق تغريدات نارية تتهم دولاً عربية بالتخاذل أو بالتواطؤ، في محاولة ممجوجة لتمزيق النسيج الاجتماعي الحساس في زمن الملمات.

إنها لعبة «فرِّق تسد» بروح العصر الرقمي. فحين يشتعل العالم العربي ناراً، يكون أعداء شعوبه في أمَسِّ الحاجة إلى شغل الرأي العام بقضايا جانبية، وتغذية نعرات لا تخدم إلا مصالحهم.

وفي هذا السياق، يبرز دور «الكتائب الإلكترونية»، التي تُدار من خلال دول وجماعات وأجهزة متخصّصة، بحيث تكون مهمتها الأساسية الهجوم على وحدة الصف، وليست الدفاع عن طرف أو قضية، عبر تضخيم أي خلاف ثانوي وتحويله إلى ساحة معركة وطنية أو طائفية أو إثنية لا هوادة فيها. ولا غرو أن تتزامن هذه الحملات مع محاولات حثيثة لتفتيت وشائج الترابط العربي، والتشكيك في المواقف والنوايا، واستدعاء ادعاءات تاريخية منزوعة من سياقها لتعميق الانقسام وتعميم التشظي.

في مواجهة هذا الطوفان، لا يكفي التنديد والاستنكار، بل يلزم حضور وعي نقدي يجرد هذه الأدوات من سلاحها الأقوى: التضليل. فليس كل ما يُكتب على منصات التواصل صحيحاً، وليس كل ما يُبث من مشاهد حقيقياً. لقد حذر مفكرون وخبراء من أن «حرب الروايات الفاسدة» قد تكون أطول أمداً وأصعب مراساً من الحرب التقليدية ذاتها؛ لأنها تستهدف الذاكرة الجمعية وتصيبها بالوهن والارتباك. وبات من الواجب على النخب العربية والإعلام المسؤول ممارسة دور «الحارس والشارح»، الذي يفكك الأكاذيب قبل أن تستقر في الوعي الجمعي.

والسبيل إلى ذلك يبدأ بإدراك أن منصات «التواصل الاجتماعي» لم تعد مجرد فضاءات حرة بريئة، بل ساحات معارك تخضع لمنطق القوة والتوجيه في كثير من الأحيان. فعلى المستخدم العادي أن يتعلم قراءة ما بين السطور، والتشكيك في الصور المثيرة للجدل، والرجوع إلى المصادر الموثوقة. وعلى الدول العربية أن تتعاون في إنشاء آليات رصد وتفنيد مشتركة، تكشف بالدليل القاطع محاولات الاختراق والتضليل، قبل أن تتحول الفتنة الإلكترونية إلى اقتتال حقيقي في الميادين. فما يُصنع في المختبرات الرقمية لا يلبث أن يتجسد صراعات على الأرض.

وفي خضم الصراعات والاضطرابات القاسية، تبقى الحقيقة أغلى ما يملكه الإنسان، وحين تُهدر قيمتها في معرض الأكاذيب، يصبح الجميع خاسرين.

الحرب الإيرانية الحالية ليست مجرد صراع جيوش، بل اختبار وجودي لوعي الشعوب العربية وقدرتها على تمييز الخيط الأبيض من الأسود في ليلٍ تُعمّق ظلماته «ذئاب إلكترونية» لا تهدأ. وحدها الصحوة النقدية، ومعها الوعي الجمعي، قادران على إجهاض المؤامرة قبل تمامها، وإعادة «السوشيال ميديا» إلى حجمها الطبيعي: أداة بيد الإنسان، لا وسيلة تقوده إلى الهاوية.