سارة موني
المفوضة التجارية البريطانية في الشرق الأوسط وباكستان
TT

اتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة والخليج...هذه مجرد البداية

استمع إلى المقالة

تفاوضت المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي على اتفاقية التجارة الحرة لما يقرب من 4 أعوام. كانت تلك رحلة تطلّبت قدراً كبيراً من الصبر والعزيمة، وإيماناً مشتركاً بالإمكانات الهائلة التي تنطوي عليها هذه الشراكة.

هذه الجهود المبذولة أتت بثمارها أخيراً. فإبرام هذه الاتفاقية التاريخية للتجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي يجعل المملكة المتحدة أول دولة من دول مجموعة السبع تُبرم مثل هذه الاتفاقية مع التكتل الخليجي المكوّن من 6 دول: البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والسعودية، ودولة الإمارات.

هذه الاتفاقية التجارية تمثّل شراكة اقتصادية تحولية ستُسهم في تحقيق نمو اقتصادي ملموس في كل من المملكة المتحدة واقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي. وتشير التقديرات إلى أن هذه الاتفاقية ستضيف نحو 3.7 مليار جنيه إسترليني سنوياً إلى الاقتصاد البريطاني على المدى الطويل مقارنة بتوقعات عام 2040، وستعزز حجم التجارة المتبادلة بنسبة تقارب 20 في المائة.

تقوم هذه الاتفاقية على أسس علاقات راسخة بين المملكة المتحدة ودول الخليج، علاقات يدعمها تاريخ طويل من التجارة، والاستثمار، والروابط الثقافية، والصلات بين الشعب البريطاني وشعوب منطقة الخليج، فضلاً عن تعاون دفاعي وأمني مستمر، بما في ذلك تقديم دعم عسكري دفاعي في مواجهة الاعتداءات الإيرانية.

الأسس المتينة تعزز القدرة على الصمود، وبصفتها دولة تجارية، تحتل العلاقات التجارية العالمية للمملكة المتحدة أهمية بالغة. غير أنّ البيئة التي نعمل فيها تواجه تحديات غير مسبوقة. ومن خلال العمل بالشراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي، نهدف إلى تحسين حياة مواطنينا والمقيمين لدينا وتعزيز سبل عيشهم عبر التجارة والاستثمار.

كما أن الهجمات المتهوّرة التي تشنّها إيران خلّفت آثاراً على الأفراد والشركات في المنطقة. ونحن نقف متضامنين مع شركائنا الخليجيين، ونعمل جنباً إلى جنب معهم من أجل ضمان حل طويل الأمد ومستدام. ونحن على ثقة بمستقبل هذه المنطقة المشرق، وبالدور الذي تؤديه المملكة المتحدة فيه.

هذه الاتفاقية لم تولد بين عشية وضحاها. بل بُنيَت على أسس العلاقات الثنائية التاريخية القوية التي تطورت بين المملكة المتحدة وكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي.

وما يضفي على هذه الاتفاقية قوة استثنائية هي طبيعة اقتصاداتنا المكملة بعضها لبعض. فخبرة المملكة المتحدة العالمية في قطاع الخدمات تتوافق تماماً مع أهداف دول مجلس التعاون الخليجي في تنويع اقتصاداتها، في حين أن الاستثمار الثنائي يُعزّز الابتكار وتبادل المعرفة، الأمر الذي يقوّي القطاعات في كل من المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي. ويتجلّى ذلك بوضوح في تدفقات الاستثمار القائمة بالفعل، إذ بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر، واستثمارات المحافظ المالية، وغيرها من الأصول المالية بين المملكة المتحدة ودول الخليج العربي ما يقارب نصف تريليون جنيه إسترليني بحلول نهاية عام 2023.

كما تعد هذه الاتفاقية، بشكل عام، الأكثر شمولاً من بين الاتفاقيات التي أبرمها مجلس التعاون الخليجي على الإطلاق، إذ تفتح آفاقاً جديدة في مجالات حيوية لنمو الأعمال. وفيما يتعلق باقتصادنا الرقمي، تُمكّن الاتفاقية الشركات البريطانية من تخزين البيانات خارج دول مجلس التعاون الخليجي. الأمر الذي يُلغي الحاجة إلى تأسيس مراكز بيانات مكلفة في المنطقة. كما تُلزم الجانبين بالتعاون في التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، وذلك يخلق فرصاً تُمكّن قطاع التكنولوجيا لدينا من أن يلعب دوراً مهماً في التحول الرقمي الذي تشهده المنطقة.

أما بالنسبة للمصنّعين البريطانيين، فإن إلغاء الرسوم الجمركية على الصادرات في قطاعات مثل السيارات والطيران والإلكترونيات سيفتح أسواقاً جديدة، ويُعزّز سلاسل التوريد. وفي الوقت نفسه، ستستفيد شركات الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية لدينا من خفض الحواجز، وبالتالي خفض التكاليف على كل من الشركات والمستهلكين.

وفيما يتعلق بشركات الخدمات، التي تمثّل أكثر من 50 في المائة من صادرات المملكة المتحدة إلى المنطقة، فإن هذه الاتفاقية توفّر لها يقيناً غير مسبوق وإمكانية أوسع لدخول الأسواق. فهي تُرسّخ يقيناً قانونياً مهماً لقطاعات الخدمات المهنية، مثل التأمين والخدمات القانونية والهندسة، من خلال معالجة الحواجز التي تعيق الدخول إلى الأسواق، وتحسين الشفافية التنظيمية، والحد من متطلبات الحضور محليّاً.

كذلك تُسهّل هذه الاتفاقية إجراءات الحصول على تأشيرات السفر، وتضمن أن تكون عمليات تقديم طلبات التأشيرة عادلة وفعّالة وأكثر يسراً ورقمية، فذلك ييسّر التواصل بين الشعوب، الذي يُرسّخ دعائم العلاقات التجارية الناجحة.

إن تسهيل التجارة بيننا وجعلها أسرع وأقل تكلفة سيُساعد في تقوية سلاسل التوريد الحيوية، وحماية قطاعاتنا الحيوية، والشركات، والمستهلكين من الصدمات التي قد تتعرض لها التجارة العالمية.

وهذه الاتفاقية تُبرهن على أن المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي شريكان موثوقان في ظل التقلبات الدولية وحالة عدم اليقين التجاري. كما تُعزّز مكانتنا الاستراتيجية على الساحة العالمية.

بالنسبة للشركات من كلا الجانبين، الرسالة واضحة: معاً نعمل على إزالة العوائق أمام التجارة، ونُؤسس إطاراً لنمو وشراكة مستديمين. وتمثّل اتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي نموذجاً قوياً لكيفية تعاون اقتصادات مكملة بعضها لبعض، لتحقيق الازدهار في بيئة عالمية تزداد تعقيداً.

لقد وصلنا أخيراً إلى هذه اللحظة بعد ما يقرب من 4 سنوات من المفاوضات. وينصبّ تركيزنا الآن على اتخاذ الخطوات اللازمة ضمن أنظمتنا الوطنية لكي تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ، وتتمكّن الشركات من البدء في الاستفادة منها. لكن المكاسب الحقيقية، للشركات والمستثمرين والأفراد من كلا الجانبين، تكمن أمامنا. فالإطار موجود، وحان الوقت للبناء عليه.

* «المفوضة التجارية البريطانية للشرق الأوسط وباكستان»