د. خالد بن نايف الهباس
كاتب سعودي
TT

قراءة في زيارتي ترمب وبوتن إلى بكين

استمع إلى المقالة

استقبلت العاصمة الصينية بكين بشكل متتالٍ الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين، في إشارة واضحة إلى الأهمية التي تحظى بها الصين على الساحة الدولية، في وقت تزداد فيه حدة الصراعات والتوترات الإقليمية والدولية. وغني عن البيان أن بكين سعت بنجاح إلى عدم الدخول في دهاليز الحروب والصراعات من خلال انتهاج ما يمكن تسميته «المقاربة التنموية في العلاقات الدولية». هذا النهج الخارجي مكّن الصين من تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع مختلف دول العالم بحيث أصبحت الشريك التجاري الأول لدول عديدة في مختلف القارات، ومنحها المساحة والمرونة المطلوبتين للتركيز على بناء قدراتها ومواردها من القوة، من دون الدخول طرفاً في الصراعات والحروب المستعرة في مناطق مختلفة من العالم بشكل مباشر أو غير مباشر.

قد لا تكون بكين مركز الجاذبية السياسي في العالم حتى الآن، مقارنةً بواشنطن، لكنها تسير بنهج ثابت نحو خلق عالم متعدد الأقطاب، وتسويق نفسها كقوة دولية حريصة على الحفاظ على النظام الدولي المبني على قواعد ومبادئ القانون الدولي والمنفعة المشتركة، حيث ركز الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس بوتين على أهمية بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب يحترم مصالح الدول والتوازنات الدولية، وأكد بوتين في هذا السياق أهمية أن يكون النظام الدولي أكثر عدلاً وديمقراطية، وقائماً على توازن المصالح ويحترم التنوع الثقافي والحضاري، ويؤمن بالتنسيق والتعاون من خلال آليات التنظيم الدولي القائمة، مثل منصات الأمم المتحدة ومجموعة البريكس وغيرها.

وهو تقريباً ما ذهب إليه الرئيس الصيني الذي أكد على ذلك، بل حذر من خطورة التغيرات الدولية القائمة على السعي للهيمنة التي تهدد بالعودة إلى «قانون الغاب»، وذلك في إشارة واضحة إلى مساعي واشنطن لترسيخ هيمنتها في الشؤون الدولية من خلال سياسات ينظر لها على أنها استعمارية وتقوّض الاستقرار العالمي وتخالف مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ومؤكداً أهمية العمل المتعدد الأطراف من خلال المنظمات والتجمعات الدولية القائمة لتوحيد جهود «الجنوب العالمي»، مع أهمية مبدأ عدم الانحياز والتزام بكين وموسكو بذلك.

لهذا الغرض وقعت بكين وموسكو على وثيقتين مهمتين، الأولى توفر خطة عمل لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في المجالات كافة، فيما تمثلت الوثيقة الثانية في إعلان مشترك حول «عالم متعدد الأقطاب». وعكست الوثيقة الثانية نظرة كل من بكين وموسكو للسياسة الدولية والنظام الدولي في ظل التغيرات السياسية الاقتصادية التي يشهدها العالم في السنوات القليلة الماضية والإسقاطات الجسيمة لذلك على السلم والأمن الدوليين. ولا يقل الشأن الاقتصادي أهمية عن الجوانب السياسية، في ظل سعي بكين وموسكو لخلق نظام اقتصادي مستدام للتجارة الدولية، يمكن من خلاله تعزيز التبادل التجاري بين البلدين البالغ حالياً 240 مليار دولار، ومن خلال العملات الوطنية لهما بعيداً عن هيمنة الدولار والتقلبات السلبية في الأسواق العالمية ما أمكن.

من جانبه، أتى ترمب إلى بكين في وقت يواجه فيه النفوذ الأميركي حول العالم تحديات كبيرة فرضتها سياسات واشنطن الأخيرة التي ينظر لها من الحلفاء والمنافسين على حد سواء على أنها تقوّض الأسس الليبرالية التي بني عليها النظام الدولي في شقيه الاقتصادي والسياسي. إذ تواجه سياسات واشنطن المبنية على شعار «أميركا أولاً» الكثير من عدم القبول حول العالم، بل إنها أضعفت علاقة واشنطن مع بعض حلفائها التقليدين في أوروبا، وهو ما بدا واضحاً من خلال سياسات التعرفة الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس ترمب على دول عديدة حول العالم، وكذلك توتر علاقة واشنطن مع حلف الناتو وموقف هذه الدول من الحرب الإيرانية وتداعياتها المختلفة على الأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.

من هنا، فإن النتيجة الأبرز لزيارة ترمب بكين هي تخفيف حدة التوتر بين هاتين القوتين الدوليتين، لا سيما في المجال الاقتصادي من خلال توقيع عدد من الاتفاقيات في المجال التجاري والاستثماري، من دون تحقيق اختراق حقيقي فيما يتعلق بالقضايا السياسية والاستراتيجية الرئيسية، مثل تايوان أو بقية القضايا حول العالم. بالتالي يمكن القول إن النتائج أتت أقل من التوقعات وهو ما يعكس الهوة المتنامية بين مواقف هذين القطبين الدوليين في المجال الاستراتيجي المتعلق بالنفوذ والهيمنة. وقد أشار الرئيس الصيني صراحةً إلى ذلك من خلال التحذير من «فخ ثوسيديدس» الذي يؤكد على حتمية الصراع والمواجهة بين القوة المهيمنة والقوة الصاعدة، عندما يثير صعود قوة جديدة القوة المهيمنة. وأكد الرئيس الصيني أن ذلك ليس «قانوناً طبيعياً»، ويمكن تلافيه من خلال التعاون والثقة المتبادلة وتجنب سوء التقدير الاستراتيجي.

نختم بالقول إن هاتين الزيارتين، وما صاحبهما من «لغة الجسد»، أكدتا عمق الخلافات حول القضايا الاستراتيجية، لا سيما مع أميركا، وإن التفاهمات الاقتصادية يظل أثرها محدوداً مهما كان لها من أهمية. كما أن العالم يسير بخطى ثابتة نحو عالم متعدد الأقطاب، لا يبدو أن بوسع واشنطن الحيلولة دون حدوثه، وأن الأجدى بها المشاركة الفاعلة لوضع قواعد العمل والأطر والمبادئ الخاصة به، لتجنب مزيد من الصراعات والتوترات التي تهدد الأمن والاستقرار والازدهار حول العالم.