ديناميات متسارعة نحو تعزيز التقارب الاستراتيجي وتكثيف التنسيق المتبادل؛ ذلك ما تشهده العلاقات الجزائرية السعودية تحت دافعية تصاعد نسق التوافقات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوبوليتيكية والجيوأمنية ضمن الفضاء العربي والإسلامي المتَّسع للنطاق الأفروآسيوي، فالعلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين اللذين يعدّان من ركائز النظام الإقليمي العربي تستند إلى جملة من ثوابت الإرث التاريخي السليم وقواعد الاحترام المتبادل التي شكّلت مرجعية تاريخية رسمت معالم العقيدة السياسية الراسخة في إدارة حدود التوافق والتباين ضمن هذه الثنائية، حيث لعب هذا المُعطى دوراً حيوياً في الحفاظ على زخم العلاقات بين الطرفين حتى خلال تلك الفترات التي شابتها مستويات دنيا من تباينات الرؤى والمواقف تجاه أحداث بعينها، وما عزّز من ذلك هو قدرة الطرفين على إدارة التناقضات المرتبطة بعلاقاتهما مع أطراف إقليمية أخرى تشتمل على ملفات جد حساسة لكليهما.
زيارة وزير الداخلية السعودي الأمير عبد العزيز بن سعود مؤخراً إلى الجزائر، جاءت استثنائية في توقيتها وظروفها في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة تمس جوهر التوازنات الجيوسياسية فيها، على النحو الذي تصاعد معه رهان الطرفين على تعزيز مسارات التقارب الأمني، هذا الأخير الذي لم يكن وليد اللحظة وظروفها بل لطالما شهد أنساقاً عالية سابقاً، ومن المنتظر أن تعزّز الظروف الراهنة من ذلك.
وضمن السياقات الإقليمية والدولية الراهنة، وتحت وطأة جنوح النظام الدولي نحو المزيد من منطق القوة بعيداً عن بنيوية المأسسة الدولية وما تكتنفها من منظومات قانونية، توازياً مع حالة عدم اليقين الاستراتيجي الذي تنحو نحوه مسارات تطور الأحداث، في ظل هذا الوضع تتصاعد مخاطر الانعزالية بالنسبة للقوى الإقليمية وبخاصة تلك المحاطة بأحزمة من التحديات الأمنية العابرة للوطنية الناجمة عن هشاشة النظام الإقليمي، وهو ما تُعنى به الجزائر والسعودية بشكل مباشر، خاصة في ظل الوضع الراهن للنظام الإقليمي العربي المتأزم في كثير من ثناياه، وما يكتنف بعض مكوناته من أزمات قُطرية طال تأثيرها مستقبل كينونة الدولة مع تصاعد مخاطر التفكّك، توازياً مع احتدام التنافس بين مشروعين متناقضين، هامش التمايز بينهما آخذ في الاتساع مع غياب أي مؤشرات للجم هذا التوسع؛ الأول يراهن على مشروع التفكيك وإعادة صياغة الوضع الجيوسياسي الراهن، عبر دعم كيانات غير نظامية ذات نزعة انفصالية، والثاني يراهن على تثبيت الاستقرار ودرء مخاطر التفكيك عبر دعم الكيانات النظامية في الدول الواقعة ضمن نطاقات أمنية هشّة تتوفر على بواعث تحوّل الهشاشة إلى فشل دولتي، حيث تبرز كل من الجزائر والسعودية بوصفهما من أكثر الفواعل المستأثرة بمقومات أداء الدور المانع للتفكّك.
وحول النهوض بالشراكة الاستراتيجية استناداً إلى نهج «التكامل» المناقض لـ«الاصطفاف» وسياسة المحاور، صرّح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأن «أمن المملكة من أمن الجزائر»؛ في معرض وصفه للزخم المتصاعد في علاقات البلدين الشقيقين، ما يعبّر عن وجود قناعة راسخة متبادلة بحتمية الرفع من نسق التعاون الثنائي انطلاقاً مما يفرضه الواقع الدولي والإقليمي الراهن من تحديات تقع ضمن صميم أمنهما الوطني والإقليمي، توازياً مع تصاعد نسق الضغوط على القرار السيادي للدول في ظل نمو أنماط جديدة من التفاعل الدولي خارج نطاق الأطر التقليدية.
في مقابل ذلك، فإن المسار العقلاني لإعادة هندسة آفاق الشراكة الجزائرية السعودية يتطلب مقاربات تكاملية بعيدة عن نمط اصطفافات المحاور وما تفرزه من استقطابات حادة، لما لتغذية مثل مسار كهذا من تكاليف بعيدة المدى، والسبيل هنا هو اعتماد مقاربة هادفة تبتغي بناء منظومة علائقية أكثر تماسكاً، والأهم التأسيس لتوازن إقليمي أكثر استقراراً وسط بيئة إقليمية ودولية سريعة التحوّل، عبر الاستناد إلى العمق التاريخي للعلاقات بين البلدين وتعزيز الوعي المشترك بالتحديات، واستيعاب التكاليف الناجمة عن مواجهتها خارج سياق الإجماع وأطر العمل المشترك ثنائياً كان أم متعدّداً قد يمتد نحو إعادة تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، خاصة أن رهانات البلدين تتشاركها ضمنياً جل الأقطار العربية.
ويتعزّز هذا الرهان في ظل ما يكتنف علاقة البلدين من توافقات إقليمية، تجلّت بداية بالأزمة الليبية التي تكاد تتطابق مقاربتا الدولتين لسبل تسويتها. وكذلك مقاربتا الدولتين تجاه الأزمة في السودان، فكلا الطرفين يعدّ المؤسسات الرسمية في السودان الجهات الشرعية الوحيدة الواجب التعامل معها بل ودعمها في مواجهة مشاريع تفكيك الدولة، ولا يمكن استثناء الملف اليمني الذي يشهد تطورات متسارعة وإعادة هيكلة جذرية لتوازنات كل الفواعل المؤثرة فيه من مسار هذا التوافق؛ إضافة للقرن الأفريقي والموقف من ملف «أرض الصومال».
منطقة الساحل الأفريقي التي تعاني من جملة من الأزمات المركبّة والمتعدّدة الأبعاد، المفرزة لشبكات واسعة من التحديات العابرة للحدود الوطنية، تعدّ هي الأخرى فضاءً مرشحاً لتوسع الشراكة الجزائرية السعودية، خاصة في ضوء وقوع منطقة الساحل ضمن دائرة أوسع تشهد مساراً متسارعاً نحو إعادة هندسة حدود النفوذ كنتيجة لحالة الفراغ الناجم عن تراجع النفوذ الفرنسي الكولنيالي التقليدي، ومن جهة ثانية فإن المنطقة تعدّ عمقا جيوسياسياً وجيواستراتيجياً للأمن القومي الجزائري، وفي ضوء التحسّن المتدرّج للعلاقات الجزائرية مع دول الساحل فإن خيارات الجزائر قد تمتد لتشكيل شبكة من التفاعلات الإقليمية المساندة التي تمتلك السعودية مقومات التفاعل معها.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية والتعاون تحت مظلة «أوبك» وتنسيق الأدوار في سوق الطاقة العالمي، تبقى من المسلّمات التي لا يمكن الاجتهاد فيها فيما تعلّق بسقف التوافق الثنائي، فالجزائر والسعودية أعلنتا بشكل صريح أنه لا تطبيع دون قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، أما فيما تعلق بالتنسيق في سوق الطاقة العالمية فهو ملف راسخ في علاقات البلدين اللذين يسعيان للحفاظ على موقع «أوبك» كمرجعية للتنسيق بين الدول المصدرة للنفط.
وحول نطاق الأولويات الحيوية في الوقت الراهن يبرز المحدّد الأمني، بوصفه أحد أكثر المحددات المرجو أن تنال الحصة الأوفر من النقاشات المرتبطة بتصاعد نسق التعاون بين البلدين حول قضايا كبرى متعلقة بأمن المنطقة ووحدة الدولة الوطنية فيها، وسط بيئة إقليمية تشهد نهجاً متسارعاً نحو إعادة هندسة حدود النفوذ، وهذا ما يعكس بدوره أهمية البعد الجيوبوليتيكي في التعاون الثنائي بين البلدين، بل إن ذلك يعدّ من أهم الرهانات الاستراتيجية التي من المؤكد ستكون ركناً أساسياً في مستقبل الشراكة، في ظل ما يُرسم للمنطقة من مسارات للتفكيك من جهة، والرؤية الجزائرية السعودية المشتركة المنافية لهذا المسار من جهة أخرى.
توازياً مع ذلك ورغم أن الرهان الأمني سيبقى أولوية في ضوء ما تمليه الظروف الراهنة، فإن الرهان الأكبر للنهوض بالشراكة الاستراتيجية الأشمل يرتهن للاقتصاد، وهو ما تدركه قيادة البلدين ويعززه واقع الفرص الهائلة للنهوض بالشراكة الاقتصادية، وهذا يتطلب حتمية إعادة صياغة ميكانيزمات الشراكة الاقتصادية وتحويل الإرادة الراهنة في تعزيز الشراكة إلى خطط عملية قابلة للتنفيذ، سواء في إطار ما هو متوفر من آليات مشتركة، أو ما تعلق باستحداث ما يلزم من آليات تماشياً مع ما هو مدرك من طموحات ثنائية تقع ضمن آفاق تحويل الاقتصاد إلى رهان رئيسي في سبيل التأسيس لشراكة استراتيجية مستدامة.
* باحث بمركز الخليج للأبحاث - الرياض
