مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

موضع وموضوع: هديل الحمامة وطوق اليمامة

استمع إلى المقالة

اليمامة، اسم له بريقه في الوجدان العربي، غصنه وريق، وعذقه رطيب، وجذعه ثابت وفرعه في السماء. قلب الجزيرة العربية، وإقليم التاريخ وديوان المجد، وفي قلب القلب منه تقع: حجر اليمامة، نواة مدينة الرياض اليوم، والدرعية، فجر الحلم السعودي، وواحات وفياض ووديان «الخرج» سلة كبرى من سلال الغذاء في الجزيرة العربية عبر التاريخ. أتحدث عن اليمامة اليوم، لأنها واسطة العقد وعنوان التاريخ الجديد لجزيرة العرب منذ أشرقت منها شمس السعودية قبل ثلاثة قرون، من الدرعية ثم من الرياض.

ثمة خلافات وتفاصيل كثيرة عن حدود هذا الإقليم بين البلدانيين العرب قديماً وحديثاً، لكن لعلَّ هذا التحديد يكون الأقرب وهو أنَّ اليمامة هي وسط الجزيرة العربية، بين منطقتَي نجد والبحرين (بالمعنى الجغرافي العربي القديم) تتوسطها سلسلة جبال طويق أو عارض اليمامة.

أما عن التآليف فيها فكثيرة، لكن لعل «صناجة اليمامة» الحديث علمياً وأدبياً، وأحد نوابغ أبناء هذه اليمامة، هو المرحوم الأديب والباحث النحرير، الشيخ عبد الله بن خميس، قد جمع مادة اليمامة فأوعى.

للشيخ ابن خميس عن اليمامة أعمال علمية جليلة مثل: «معجم اليمامة» الذي تناول فيه معالم هذه المنطقة الجغرافية والطبيعية، موثقاً أسماء الأماكن والقرى والجبال والأودية.

وكذلك موسوعة «تاريخ اليمامة» والملحق بعنوانه الفرعي «مغاني الديار ولما لها من أخبار وآثار»، وهو في مجلدات عدة... وغير ذلك من الأعمال الرائقة مثل «المجاز بين اليمامة والحجاز».

رغم كل الأهاجي المدفوعة بالمهاترات السياسية والإحن المذهبية، لكن لليمامة قيمتها المعنوية القديمة من ذاك ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - وهو بمكة - لأصحابه: «أُرِيتُ دارَ هجرتِكم»، فوصفها، ثم قال: «... فذهب وهلي إلى أنها اليمامة... فإذا هي المدينة يثرب».

منها شعراء شكّلوا أصل اللغة العربية وصاغوا وجدان العرب من قبل الإسلام وبعده مثل الأعشى والمتلمّس الضبعي، إضافة إلى جرير، أحد أعلام العصر الأموي، الذي نشأ في بلدة أثيثية قرب العاصمة الرياض اليوم.

لا نذكر اليمامة إلا ونذكر أسطورة «زرقاء اليمامة» الخالدة. قال الأعشى:

ما نظرتْ ذاتُ أشفار كنظرتها حقّاً كما صدقَ الذئبيُّ إذْ سجَعا

إذْ نظرتْ نظرة ليست بكاذبةٍ إذْ يرفعُ الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا

ونهل من هذه الأسطورة شعراء عرب من الحداثيين مثل المصري أمل دنقل في نشيجه ونشيده الحزين: «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، التي كتبها في عام 1967 عام الهزيمة أو النكسة! لكن لماذا رغم ثراء وعمق وتاريخ هذا الإقليم وأهله لم ينبعث مجده طيلة القرون الغابرة إلا من انبلاج البدر السعودي قبل ثلاثة قرون فقط؟

في كتابه الجميل: «ابن عربي موطّد الحكم الأُموي في نجد» للعلامة حمد الجاسر، والكتاب عن والٍ أموي عابر في نجد واليمامة كان مركز حكمه، موضع اليوم يقع شمال العاصمة الرياض. يتحدث الشيخ حمد عن إهمال متعمد وعفوي نال إقليم اليمامة من طرف الأمويين ثم استفحل وقت العباسيين ومن تلاهم.

يقول: «بعدما استقر الملك لبني أمية، الذين أسدلوا هم ونوّابهم دون الرعية (حجباً كثيفة لا يمكن تجاوزها، أسوَؤُها وأشدُّها حجاب الكراهية)، ومن أجل ذلك وغيره من الأسباب ظهر فيهم الخوارج، الذين كان بعضهم خوارج بالمفهوم اللغوي أكثر من كونهم خوارج بالمفهوم الاصطلاحي، وكان ذلك منهم محاولة للعصيان والتمرّد، بعد أن استنفدوا كل الوسائل الأخرى». ندع هذا الحديث المحزن ونذهب مع شعراء الغرام واليمامة، حين باح أحدهم وناح من الهوى، وهو عروة بن حزام حين شكا فقال:

تَحَمَّلْتُ مِنْ عفراءَ ما ليس لي بِهِ ولا لِلجبالِ الرَّاسياتِ يَدانِ

كَأَنَّ قَطاةً عُلِّقَتْ بِجَناحِها على كَبِدي من شِدَّةِ الخَفَقانِ

جَعَلْتُ لِعَرّافِ اليَمامةِ حُكْمَهُ وعَرّافِ حَجْرٍ إِنْ هما شَفيانيإنَّها اليمامة عنوان الفخامة وبوابة التاريخ ومخزن الغلال والرجال.