على مدى سنواتٍ عدة الآن، توصلنا إلى إدراكٍ مفاده أنَّ المؤسسات المتعددة الأطراف التي أنشأناها في ختام الحرب العالمية الثانية، مثل الأمم المتحدة، قد فقدت فاعليتها في عالمٍ يتصاعد فيه استخدام القوة العسكرية والاقتصادية والتنافس بين القوى العظمى. فحيث كنا نعتمد سابقاً على التعاون ونظامٍ دولي قائم على القواعد، أصبح جزءٌ كبيرٌ من العالم اليوم رهيناً للمصالح الذاتية الضيقة والتنمر الذي تمارسه قلة من القوى العظمى. وتتجلَّى قوتهم اليوم في الصخب والحملات الإعلامية المضللة والدعاية، وانعدام الشفافية والقدرة على التنبؤ، والتهديد المستمر بالصراع الاقتصادي أو العسكري. لقد أصبحنا في حالة من الكآبة واليأس في عالم لم نعد نعرفه، ونبدو فيه خانعين.
المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، الذي عُقد قبل أسابيع، أصبح خلال السنوات القليلة الماضية أقرب إلى كاريكاتير لذاته. مجموعة من السياسيين ورجال الأعمال النخبويين ذوي الامتيازات المفرطة يربّتون على أكتاف بعضهم بعضاً، ويلقون سلسلة من الخطب المملة، ويقدمون عرضاً هزلياً. غير أنَّ هذا العام كان مختلفاً، مع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غرينلاند؛ ما أثار رد فعلٍ، وبخاصة من رئيس وزراء كندا مارك كارني، الذي لخّص الواقع الذي نواجهه اليوم في العالم في خطاب واضح وموجز مدته 15 دقيقة.
ذكر رئيس الوزراء أنَّه لا يلزم بالضرورة، في عالمٍ يستطيع فيه الأقوياء أن يفعلوا ما يشاءون، ألّا يكون أمام بقية العالم خيار إلا الخضوع. واستشهد بمثال المعارض التشيكي، والرئيس لاحقاً، فاتسلاف هافيل، وبقصة بائع الخضراوات في مقالته الشهيرة عام 1978 «قوة (الضعفاء) من لا قوة لهم». فبائع الخضراوات الذي كان يضع كل يوم لافتة في واجهة متجره كُتب عليها «يا عمال العالم اتحدوا» للإشارة إلى دعمه المفترض للنظام الشيوعي، ليقرر يوماً ما إزالة اللافتة. ونتيجة لذلك بدأ وهم الدعم للنظام بالتصدع؛ إذ حذا الآخرون حذوه في التخلي عن دعمهم العلني المفترض لمعارضتهم الخاصة. وخلاصة مقال هافيل أن «قوة (الضعفاء) من لا قوة لهم تكمن في وحدتهم»، وأن هذه القوة قادرة على التغلب حتى على أعتى الجبابرة.
في ثلاثينات القرن العشرين، جسّد رجل آخر هذا النموذج من المقاومة السلبية القائمة على القيم الإنسانية العالمية: موهانداس غاندي. ففي مواجهة 200 عام من الاحتلال البريطاني (باحتساب فترة الراج البريطاني وشركة الهند الشرقية)، ومواجهة 60 ألف جندي بريطاني ومئات الآلاف من أفراد الشرطة الهندية بقيادة بريطانية، أدى فعل بسيط من المقاومة السلبية، والتعبير عن الكرامة الإنسانية، إلى انهيار إمبراطورية بأكملها.
نيلسون مانديلا مثال آخر على قوة من لا قوة لهم عندما يتحدون بالتعبير عن كرامتهم وحشمتهم ولا أخلاقية التمييز العنصري، فأسقطوا بذلك نظام الفصل العنصري الراسخ في جنوب أفريقيا، وفتحوا فصلاً جديداً واعداً لجميع الجنوب أفريقيين. فعندما يبدو الأمل مفقوداً، تستطيع قوة الحقيقة والحشمة ووحدة الناس العاديين أن تتغلب حتى على أعظم القوى. وحيث كان هناك يوماً ما صمت، همسة تتحول صوتاً مدوياً للشعب، متحدياً الهيمنة والظلم.
وأقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن وهم النظام الدولي القائم على القواعد والهيمنة الأميركية كان مفيداً، ونتيجةً لذلك؛ وضعنا جميعاً بكل سرور لافتاتنا في النافذة. اليوم، مع ذلك، أعيننا مفتوحة، وعلينا بفاعلية أن «نواجه العالم كما هو، لا أن ننتظر عالماً نتمنى أن يكون». لا تزال لدى معظم الدول أسباب وجيهة للعمل معاً والتعاون وبناء تحالفات، قضيةً تلو الأخرى لمعالجة المشاكل العالمية الكبرى، ملتزمين بقيمنا. ويختتم كارني قائلاً: «الحنين إلى الماضي ليس استراتيجية، لكننا نؤمن بأننا نستطيع، انطلاقاً من الصدع، أن نبني شيئاً أكبر وأفضل وأقوى وأكثر عدلاً. وهذه هي مهمة القوى المتوسطة، الدول التي لديها الكثير مما تخسره في عالم الحصون، والكثير مما ستجنيه من التعاون الحقيقي».
أعتقد أن الكثير منا كان يفكر، لا شعورياً، فيما عبّر عنه كارني بهذه البلاغة. وقد أنهيت مقالي السابق باقتباسٍ لعالِمة الأنثروبولوجيا الثقافية الأميركية مارغريت ميد، وأعتقد أن له دلالة أعمق هنا: «لا تشكك أبداً في أن مجموعة صغيرة من المواطنين الواعين والملتزمين يمكنها تغيير العالم؛ في الواقع، هذا هو الشيء الوحيد الذي فعل ذلك». نحن نرفض أن نتعرض للتنمر من سُذّج السلطة وتهديداتهم، وأؤمن بأن كثيراً من الأميركيين يشاركوننا الرأي نفسه. وإسرائيل، التي بنت قوتها هي الأخرى على السلاح والغطرسة، لن تنجح أيضاً في إخضاع كرامة البشر الحقيقيين؛ ومرة أخرى، يتبنى الكثير من الإسرائيليين الفكر نفسه.
نعلم جميعاً أن القضايا الحقيقية التي يجب على الناس والدول الواعية معالجتها بسرعة تتعلق بتدهور بيئتنا المستمر، وتفاقم الظلم والتحريض على الكراهية في أنحاء العالم. وكما فعل بائع الخضراوات في قصة هافيل، وكما فعل غاندي ومانديلا ومارتن لوثر كينغ الابن، يقع على عاتقنا الدفاع عن الإنسانية والسلام والمنافع المتبادلة التي يمكن تحقيقها للجميع إذا عملنا معاً بصدقٍ ونزاهة وقيم إنسانية مشتركة. لقد انتهى النظام العالمي القديم، لكن ذلك لا يعني قطعاً أننا لا نستطيع بناء نظام جديد، بل وأفضل، معاً.
