الدستور العراقي الحالي عالج اهم مشكلتين ظل العراقيون يعانون منها لفترة طويلة، وربما مع تأسيس الدولة العراقية، المشكلة الاولى ؛ مشكلة الاكراد المزمنة التي وجد لها حلا مثاليا من خلال المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها بين اقليم كردستان والحكومة الاتحادية، وخاصة مدينة كركوك الغنية بالنفط. والمشكلة الاخرى تتعلق بالتعايش المضطرب والثقة المفقودة بين المكونات والمجتمعات العراقية المختلفة طائفيا وقوميا وثقافيا، وعالجها وفق المادة 119 التي اجازت للمحافظات باقامة اقاليم شبه مستقلة مع وضع دستور خاص لكل اقليم، فاذا كان التعايش المشترك بين السنة الشيعة في مجتمع واحد صعبا ومستحيلا وله انعكاسات خطيرة على العراق والمنطقة، فلم لا يفترقان عن بعضهما بالمعروف ويشكلان اقليمهما الخاص ضمن عراق فدرالي ديمقراطي؟ كما هو الحال مع الاقليم الكردي؟ فما الضير من ذلك؟ لم التخوف من الفدرالية ما دامت تعالج الازمة الطائفية والاثنية بالطرق السلمية؟ فلو عمدت حكومة" ابراهيم الجعفري (2005) الى تطبيق هاتين المادتين المهمتين من مواد الدستور فقط، ولم تتجه نحو الاحتكار والتفرد وإرساء دعائم الطائفية في الحكم استجابة لاجندات خارجية، لما وصلت الحالة العراقية الى وضعها الحالي البائس الذي لا يسر عدوا ولا صديقا.
وسار نوري المالكي الذي جاء من بعده على نهجه وراح يكمل ما بدأه، ولكن بصورة اعنف واكبر، حاول جاهدا تعميق الحالة الطائفية وترسيخ الخلافات القائمة بين تلك المكونات، ومن اجل تحقيق هذا الهدف، خاض حربين مريرتين على جبهتين مختلفتين في آن واحد، أدتا في النهاية الى انهاك البلد وتعطيل مؤسساته ؛ الجبهة السنية ؛ وسخر لها كل امكانيات الدولة المالية والعسكرية والميليشياوية الطائفية التي شكلها ودعمها ومولها واشرف عليها، فهو لم يكتف بخوض صراع مرير ضد الاحزاب والحركات والعشائر السنية العراقية التي انتفضت ضد الحكومة"عام 2012" مطالبة بحقوقها الدستورية في تشكيل اقليم خاص في مناطقها، واطلاق سراح المعتقلين الابرياء وايقاف نهج الحكومة الطائفي والغاء المادة 4 ارهاب السيئة الصيت التي اطلقت يد الحكومة في اعتقال واعدام المعارضين السنة بحجة "الارهاب"، بل راح يقدم الدعم والمساندة اللامحدودة لنظام "بشار الاسد" الطائفي ويمده بالاموال والاسلحة والميليشيات الطائفية في حربه ضد الشعب السوري، هذا الامر الذي أجج الشعور الطائفي لدى السنة في المنطقة وحوًل مسار المواجهة الى حرب طائفية مفتوحة، وهو ما ساعد وساهم بصورة مباشرة في ظهور تنظيم "داعش". والجبهة الثانية التي حارب فيها المالكي بضراوة، هي الجبهة الكردية ؛ فقد ظلت مطالب الكرد الدستورية تشكل دائما عقبة كأداء أمام طموح الحكومات الطائفية المتعاقبة في بسط سلطتها المطلقة في العراق، لذلك حاولوا دائما خلق المشاكل والازمات الجانبية مع الاقليم الكردي للتهرب من تلبية تلك المطالب، فبدأت العلاقة بين الشيعة والكرد تعتورها المشاكل وتنذر بنهاية وخيمة بعد ان امضى الطرفان سنتين في شهر عسل سرعان ما انتهى بأزمة محتدمة، على اثر قيام الجعفري بالتنصل من وعوده التي قطعها على نفسه عند توليه الحكم بتطبيق المادة (140) واتفاقه مع الاتراك سرا على الاجهاض على هذه المادة الدستورية التي من شأنها انهاء عقود من الصراع الدموي بين الشعب الكردي والحكومات العراقية المتعاقبة في حال تطبيقها، وعلى إثر ذلك، تدهورت العلاقة بين الطرفين شيئا فشيئا حتى وصلت الى أسوأ حالاتها في عهد المالكي الذي شكل قيادة قوات "دجلة" في مدينة كركوك المتنازع عليها لمواجهة القوات الكردية (البيشمركة) المرابطة هناك وسلم قيادتها الى جنرال متقاعد هو عبد الامير الزيدي المعروف بانتمائه لحزب البعث وقيادته لعملية الانفال ضد الاكراد عام 1988.
وبتعطيل الدستور من قبل الاحزاب الشيعية ونزوعها نحو التطرف والتوسع واثارة الازمات مع الشريكين السياسيين الاساسيين في البلاد "السنة والكرد"، يكون العراق قد سار نحو التصدع والتفكك، وما لم يحققه الدستور ستحققه القوة وفرض الأمر الواقع.
8:23 دقيقه
TT
تعطيل الدستور.. بداية التصدع والتفكك
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
