د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

الشعوب في غرفة الاجتماعات!

استمع إلى المقالة

يروى أن الأميركيين قد اكتسبوا فكرة الاجتماعات الحديثة من اليابانيين، وليس العكس، حسبما ذكر روبنز في كتابه «الإدارة». من الطبيعي أن تأخذ الشعوب من الآخرين، سلوكيات وأدوات فعالة لرفع الإنتاجية. غير أننا كأمم نأخذ معنا إلى طاولة الاجتماعات شيئاً من سلوكياتنا أيضاً. فعلى طاولة الاجتماعات تنكشف عادات الشعوب. صحيح أن التعميم يفتقر للموضوعية غير أن عالم الانثروبولوجيا الشهير إدوارد تي هال، قد توصل في أبحاثه الشهيرة إلى أن الشعوب تتباين حينما تتواصل.

فعندما يتولى مدير أميركي أو ألماني جديد اجتماعاً ما، ثم يطلب من مرؤوسيه العرب أو الآسيويين طلباً مباشراً، ومن دون تنميق أو مقدمات، فقد يعده سكان الشرق نوعاً من الفظاظة! وإذا ما كان يترأس الاجتماع إنجليزي، ثم أصر أن يكتب كل ما تمخض عنه الاجتماع من طلبات وتكاليف لشخص بعينه من العرب أو الآسيويين، قد يعد هذا النوع من التواصل محاولة مقصودة من الإنجليزي لتصيد الأخطاء.

وربما يعود ذلك إلى أن معشر العرب والآسيويين عادة ما يرتكزون في علاقاتهم على «مبدأ الثقة والعلاقة الوطيدة» أكثر من التعليمات المباشرة والمكتوبة. وتنضم شعوب أخرى للعرب والآسيويين، منهم الأفارقة واليونانيون والمكسيكيون والإسبان، بدرجات متفاوتة.

وقد وجد عالم الانثروبولوجيا هال في أبحاثه وكتابه «ما وراء الثقافة»، أن الشعوب المذكورة أعلاه تختلف أنماط تواصلها مقارنة بشعوب مثل الألمان، والاسكندنافيين والأميركان والإنجليز والفرنسيين والإيطاليين. ليس هذا فحسب، بل إن الألماني والاسكندنافي أكثر مباشرة، وربما جدية في الطرح، من الأميركي والإنجليزي. والإنجليزي المباشر كما نظن أقل قليلاً في المباشرة في الطرح من الأميركي.

ونحن كشعوب نتباين بالفعل عندما نلتقي. وأذكر أنني رأيت وفداً أميركياً يزور دولة عربية، وكان تقريباً معظم الأعضاء الأميركيين يحملون ورقة وقلماً لتدوين وقائع الاجتماع، في حين اكتفى العرب بالإنصات وتبادل الابتسامات والنظرات. ولذلك أستغرب عندما أدخل إلى اجتماعات مهمة كمجالس إدارة لشركات كبرى وأجد زملائي الأعضاء لا يحملون قلماً للتدوين، والمفاجأة أن عدداً منهم لم يقرأ ما سُلِم إليه من مواد سوف يبت في قراراتها بعد قليل!

وبشكل عام نستطيع القول إن اختلافاتنا كشعوب لا حصر لها. فمن الاختلافات بين اجتماعات اليابانيين والأميركان مثلاً، أن العرف في أميركا يميل نحو تولي المسؤول عن المشروع ومساعديه الحديث في الاجتماع. وتجدهم الأكثر نشاطاً في اللقاء. في حين أن في ثقافة الاجتماعات اليابانية، قد تجد أن كل عضو في فريق العمل مدعو إلى هذا الاجتماع، بما فيها الأقل خبرة وسناً، وهم على استعداد للمشاركة الفاعلة فور ما يطلب منهم ذلك.

ولا غرابة أن تجد في البلدان التي فيها مسافة السلطة مرتفعة (power distance) شخصاً يقود الاجتماع رغم أنه أقل كفاءة وقدرة. ومع ذلك تجد أن المشاركين لديهم «تقبل وتوقع» لذلك الوضع، حسبما أشار العالم الكبير هوفستد في أبحاثه. ومن هذه البلدان الوطن العربي، وكثير من الأقطار الآسيوية. والعكس صحيح في الدول الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها. ولكل قاعدة شواذ.

ومن اختلافاتنا، دخولنا بعجالة إلى اجتماع مهم، من دون أجندة. بعض الأرقام التي قرأتها تشير إلى أن وجود أجندة موضوعات قد يخفض مدة الاجتماع إلى 80 في المائة. وهي مسألة مهمة، خصوصاً أن الشعوب الشفهية تميل نحو الثرثرة في الاجتماعات ربما لتمضية الوقت. وأرى أن الثرثرة خارج موضوع الاجتماع قد تكون حيلة مقصودة لتشتيت أنظار المشاركين ومدير الاجتماع عن تقصير الثرثار في تقديم مساهمة فاعلة، ناهيك إن كان قد قرأ أصلاً ما قدمه له.

روعة طاولة الاجتماعات أنها تقدم لنا على طبق من ذهب، أفضل سلوكيات المتفانين في عملهم، ومهنيتهم، وأدبهم الجم، وتكشف لك أيضاً قبحنا، فضلاً عن جمال عطاء الشعوب المتقدمة التي تقدر الوقت والجهد والإنتاجية.