ثائر عباس
صحافي لبناني ومسؤول تحرير مكتب صحيفة «الشرق الأوسط» في بيروت
TT

حزب الله.. شكرا أميركا

قد يكون من باب الواقعية السياسية في المرحلة الراهنة في لبنان، أن يستبدل "حزب الله" شعار "الموت لأميركا" بشعار "شكرا أميركا" على غرار حملة "شكرا قطر"، التي اعتمدت بعد حرب عام 2006 مع إسرائيل.
العدو التاريخي للحزب، بات من أكثر العاملين لمصلحته على الساحة اللبنانية، سياسيا.. والأهم أمنيا. وتقاطع المصالح الأميركي – الإيراني في لبنان، جعل المستحيل معقولا، حتى باتت السفارة الأميركية في بيروت السباقة في إدانة التفجيرات التي تستهدف الضاحية الجنوبية، أما السفير الأميركي في بيروت، فهو لم يكل في السعي الى تأمين قيام حكومة "سياسية جامعة"، أي حكومة يشارك فيها "حزب الله"، حتى لو اضطر الى السفر نحو باريس وغيرها من العواصم لعقد اجتماعات وإسداء "نصائح" لتأليف حكومة مماثلة، وصولا الى إعلانه صراحة أمام العديد من السياسيين اللبنانيين أن بلاده لا تعارض قيام حكومة يكون فيها الحزب ممثلا، علما أن سفارته كانت تصر على مقاطعة أية وزارة يتولاها أحد أعضاء الحزب سابقا.
أما الجانب الأمني، فهو العنصر الأكثر بروزا في علاقة "الحب عن بعد" المستجدة بين الحزب والأميركيين، وهو ما يمكن أن يظهر بوضوح، إذا ما علمنا أن رجال "القاعدة" الخمسة الذين اعتقلتهم السلطات اللبنانية مؤخرا، وقعوا في الفخ نتيجة معلومات أميركية خالصة.
فـ"الشقيق الأكبر" الذي يراقب العالم، وتحديدا الجماعات المتشددة، بدأ في الفترة الأخيرة يشارك السلطات اللبنانية معلوماته من أجل ضبط شخصيات معينة من "القاعدة" تعمل على الأراضي اللبنانية. واللافت في التعاون الأميركي الاستخباري، أنه بدأ يرتفع في الآونة الاخيرة، بدءا من التحذير الأميركي من تفجير الضاحية الأول، بإبلاغه السلطات اللبنانية عن نية هذه الجماعات القيام بعمل أمني ما.
وكان الأميركيون، يعملون بداية مع قوى الأمن الداخلي، تنسيقا على الساحة اللبنانية، وتحديدا مع فرع المعلومات بقيادة اللواء وسام الحسن، لكن اغتيال الأخير، فرض عليهم الانتقال الى التعاون مع استخبارات الجيش، مرورا بفترة تجربة قصيرة مع جهاز الأمن العام، لم تكن ناجحة بعد حادثة توقيف الناشط شادي مولوي في طرابلس، والتي انتهت الى إطلاق سراحه، بعد تدخل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لصالحه.
قد يكون الأمر، مجرد "تقاطع مصالح" بين الأميركيين الراغبين في الحفاظ على استقرار الوضع اللبناني، وعدم تخطيه الخطوط الحمراء التي تحكم سياستهم في لبنان، وبين الايرانيين – وحزب الله – الراغبين في الحفاظ على الاستقرار من منطلق الحفاظ على الساحة الخلفية للحزب المشغول بقتاله في سوريا. لكن الأمر يبقى لافتا في مندرجاته ومساراته، وهو مسار يبدو أنه يتزايد، في ظل الخشية الأميركية من امتدادات الجماعات الاسلامية المتشددة العاملة في سوريا نحو لبنان، مستفيدة من حالة التوتر المذهبي الكبيرة الناجمة عن تدخل "حزب الله" في سوريا.
هذا لا يعني بالتأكيد، أن الحزب الذي رفع من أدبياته أخيرا شعار "الموت لأمريكا"، ليس في وارد مد اليد الى "الشيطان الأكبر" كما لقب الإمام الخميني الولايات المتحدة، لكن يبدو أن "شيطان التكفيريين" بات يشكل هاجسا للطرفين، فكان التعاون مع الاستخبارات اللبنانية، التي يطمئن اليها "حزب الله" بشكل أكبر منه بكثير من ثقته – أو لا ثقته – بفرع المعلومات، لكن هذا لا ينفي أن استخبارا ت الجيش تشكل في المقابل حساسية طائفية، يمكن أن نفهمها، إذا ما راقبنا مشهد المشايخ السنة الذين تظاهروا أمام مقر وزارة الدفاع احتجاجا على توقيف الشيخ عمر الأطرش، وإظهارهم عدم الثقة بتحقيقات الجيش.
لن يتغير الكثير في العلاقة بين الطرفين في المدى المنظور، لكن ما تحقق حتى الآن من تقارب، ولو كان ضئيلا جدا نظريا، إلا أنه تقدم هائل في الجانب العملي بين طرفين شيطن أحدهما الآخر حتى الثمالة.
سيتواصل الكلام الأميركي عن ضرورة إخراج حزب الله من سوريا، وعن ضرورة نزع سلاحه، كما سيتواصل انتقاد حزب الله للهيمنة الأميركية، لكن الوقائع تؤشر الى أن الطرفين مستعدان لسلوك درب الواقعية السياسية متى احتاجا الى سلوكها.