يحكي مروان حمادة قصة زواج أخته ناديا بغسان تويني، الدبلوماسي المسيحي المتمرد يقع في غرام الشابة الدرزية التي كانت حينها تتابع دروسها في اليونان يقول: «شعرنا منذ اللحظة الأولى أن علاقة حبّ نشأت بين الاثنين، وتخطّت كل الحواجز الدينيّة، وما كان يجمع بينهما النزعة الثقافيّة وحبّ الثقافة. ولم تمضِ أسابيع إلا وكان غسان قد طلب يد ناديا». وفي حوارٍ مع وليد جنبلاط سئل عن زواج ابنه تيمور بـ«شيعية» فردّ غاضبًا: «لقد تزوّج فتاة لبنانية أحبّها»!
كم تبدو الشعارات الطائفية مدمّرة للأنسجة الاجتماعية وللوشائج الإنسانية، وللأواصر الطبيعية، وللهوية الوطنية، بينما وحين ينتصر الحب ينتهي شعار الطائفة، لقد غرس هذا الخروج عن السياج الطائفي المرهق للأجيال من بعد فرصة الحديث عن الحب من دون أن تقتله الطائفية بكل ما تسببه من جريمة ضد علاقات البشر وتعاملهم الطبيعي فيما بينهم.
ومع الجريمتين الأخيرتين في السعودية، اللتين لم تكونا تستهدفان طائفة بعينها، بل تستهدفان البلاد والناس، وتحاولان ضرب عصب الاستقرار، وأساس التعايش، من الضروري تجاوز الحديث عن مقتل شيعي أو سني، أو عن موقف الشيعة مقابل موقف السنة، أو أن هذا السنّي قام بتعزية الشيعي، إن أردنا التجاوز فلنستخدم الهوية الوطنية الرابطة المتمثّلة بالانتماء إلى «السعودية»، فالذي يقتل سعوديًا فكأنما قتل السعوديين قاطبة، وكل جريمة مسّت شعرة من أحد فهي تمسّ كل جسد البلد، يتداعى الألم على الجميع ويعتصرنا الألم والحزن في وقتٍ مشترك.
إن من أخطر ما يستثمره العنف بكل أشكاله تلك الثغرات المهملة اجتماعيًا، وخاصة مرض «الطائفية»، وآية ذلك أن الخلايا المقبوض عليها طوال السنة الفائتة في السعودية تمحورت أهدافها حول تأجيج الفتنة بين السنة والشيعة. تفجير مسجد القديح في «القطيف» كان حدثًا صادمًا للمجتمع، ومن تابع تصريحات وبيانات وزارة الداخلية يعلم أن هذا التفجير الذي تمّ تنفيذه ليس إلا تجربة ناجحة واحدة للتنظيمات المتطرفة من بين مئات المخططات التي تم إحباطها بقوّة المعلومة الأمنية التي تمتلكها السعودية، وهي أكثر دولة بالمنطقة أحبطت مئات العمليّات قبل تنفيذها.
هناك مشكلات جوهرية تجعل من تجاوز الطائفية أمرًا صعبًا يحتج إلى جهد متضافر، لم تناقش بعد كما يجب مشكلة «المواطَنة» و«الهوية» ومفهوم «الخطاب المتطرف»، وإذا كانت الخطابات الطائفية المعلنة قد أشبعت نقاشًا طوال العقود الثلاثة الماضية، فإن مفهوم «الطائفية المضمرة» هو الأكثر رسوخًا، إذ تتبدى معانيه بين فلتات اللسان، وفي طيّات الكتابة، وفي البياض المهمل بين سواد الحروف.
لو أن مفهوم «المواطَنة» قد تشكّل فعليًا، وترسّخ في الممارسة العفوية لما انطلقت فلتات اللسان التي تجعل الحدث طائفيًا والمصيبة مذهبية، والمتضرر تابعا لطائفة أكثر من تابعيته للوطن، أضرب مثلاً بهذا المرض الطائفي المضمر الذي لا يعيه حتى قائله بتنديدٍ كتبه شاعر مرموق منددًا بحادثة «القديح» إذ قال بما خلاصته: «تأمّلوا جيدًا أن هؤلاء القتلى ينتمون إلى هذه الأرض، ويحملون الهوية التي تحملونها في جيوبكم»! هذه مقولة انتشرت بوصفها تمثّل ذروة التعايش والوحدة، بينما لو شرّحناها لعثرنا على صيغ طائفية كامنة تسكن كل حروف عباراته تلك، من بينها اضطراره للتنبيه بأن هؤلاء من هذه الأرض، وكأنها معلومة جديدة! أو إضافة جوهرية للقارئ، وأردفها بالتذكير ببطاقة الهويّة التي يفترض هو أنها الجامع الوحيد بين المذاهب، هذا فضلاً عن تذكير الآخرين بأن القتلى «من المسلمين»، هذه التأكيدات تحاول أن تستر معاني طائفيّة عميقة هي أكثر خفاءً على قائلها وقارئها، ذلك أن التأسيس للذهنية الطائفية ليس جديدًا، والتجاوز للنزعة هذه يحتاج إلى جهد معرفي كبير.
التأكيد على المواطَنة بوصفها المشترك الضابط والجوهري بين المجتمع السعودي كله يعفينا من التناول الجزئي أو الفرعي لحادثة تبعًا لموقعها أو مذهب ضحاياها أو منطقتهم، وتشكّل هذا المفهوم يحتاج إلى جهد علمي وتعليمي ضخم يستغرق عقودًا من الزمن، وإذا تشكّلت فسنكون كما المجتمعات الأخرى التي لا تتحدث عن لون الضحيّة أو ديانته أو مذهبه، بل ما دام يحمل هذا الانتماء لـ«المواطَنة» بعمقها وجوهرها فهو جزء من مجتمعه يتألمون لألمه ومصابه.
لا يمكن «نسيان» الطائفية واقعيًا ودنيويًا من دون تحقيق مفهوم «المواطنة». وحين نفشل في محو الطائفية من أعمالنا وأفكارنا وعلاقاتنا فإن الأجساد المفخخة ستمارس دومًا تفخيخ دمائها لتفجير دماء الآخرين، إنها اللعبة الإرهابية المرعبة.
ليس صدفة أن تكون جميع كلمات الملك سلمان بن عبد العزيز منذ توليه الحكم مؤكدة على «المواطَنة» المشتركة للكل، وإلحاحه المستمر - النابع من حكمته وإدراك الأخطار على بلاده - بأن كل المناطق على مسافة واحدة. هذه هي رؤية القيادة التي نأمل أن تترجم على المستويين، الفكري، والديني، ذلك أن التجاوز للتفرقة الواعية (لدى بعض الفئات المتطرفة والمأزومة) أو غير الواعية (لدى من يظنّون أنهم ينتجون خطابات التعايش والوحدة) يتطلب جهدًا مؤسسيًا ومعرفيًا تشترك فيه كل المؤسسات السنية والشيعية لضرب التطرف والإرهاب من أي تيارٍ كان، والبدء بترسيخ ثقافة تتجاوز صيغ التاريخ، وآلامه، وأوهامه، وأخطاءه.
لنكن أكثر إنسانية ووطنية، علينا أن نخفف من الأحقاد واللوثات الذاتية، وأن نبدأ بفحص أفكارنا العدوانية، والممارسات العنفية، والطائفية اللفظية هي أساس الطائفية الميدانية العسكرية، إن كل المجتمعات تصاب بامتحانات مفصلية هي «ذروات استثنائية»، وتجاوز لحظات محددة قاتمة هو ما يصنع تحولات التاريخ والفشل في التجاوز يدخلها بالمجهول. كل الأحداث المزلزلة تصنع وعيًا مختلفًا لما كان عليه لتجاوز المسببات، وجريمة القديح تجعلنا أمام اختباراتٍ حول الطائفية والتحريض المرتبط بها من أصحاب الأفكار العنيفة والتوجهات الإرهابية.
لنخفف من مركزيتنا قليلاً، انظروا إلى الآخر، إنه ليس جحيمًا، بل الآخر «وجهٌ آخر هو أنت».
9:30 دقيقه
TT
آلام القديح.. حين انفجر الدمُ بالدم
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
