د. حنان حسن بلخي
TT

الصحة العامة وكليات الطب

تنتشر الأمراض المعدية بين الناس، أو من الحيوان والبيئة للإنسان بطرق مختلفة. فالتكدس البشري، ونقص موارد المياه النظيفة، وافتقاد وسائل تربية الحيوانات بطريقة صحية تضمن مصادر غذائية حيوانية ونباتية آمنة، فضلا عن غياب أنظم سلسلة الغذاء الآمنة وعدم تطبيق أسس مكافحة العدوى في تقديم الرعاية الصحية، كلها تُعدّ من عوامل انتشار الأمراض المعدية. وتفادي هذه الأمراض يُعتبر من أهم أهداف برامج الصحة العامة التي تهدف إلى ضمان صحة المجتمع كله.
في مقاعد دراسة الطب، لم نتعمق في دراسة الصحة العامة. فعلى سبيل المثال، تطرقنا لأحداث وتداعيات الإنفلونزا الإسبانية بشكل مبسط، ولم ندرس البعد السياسي أو الصحي للجائحة أو كيفية تفاديها رغم أنها تسبّبت في وفيات فاقت الوفيات الناجمة عن الحرب العالمية الأولى. وبفضل التحسن الكبير في البنية التحتية للمدن وسبل المعيشة، من توفير مياه وطعام خاليين من الجراثيم، إضافة إلى إيجاد أمصال آمنة وفعالة لعدة أمراض فيروسية وبكتيرية، تم القضاء والحد من كثير من الأمراض المعدية. لذلك، نال الخطاب الشهير للجراح العام الأميركي ويليام ستيوارت، الذي ألقاه في البيت الأبيض سنة 1967، استحساناً كبيراً كأكثر الرسائل جرأة من أي مسؤول أميركي للصحة العامة على الإطلاق، حيث قال: «حان الوقت لإغلاق كتب الأمراض المعدية، وإعلان انتصار الحرب ضد الأوبئة، وتحويل الموارد الوطنية إلى الأمراض الصحية المزمنة (غير السارية) مثل السرطان وأمراض القلب».
كان تعليق ستيوارت قصير النظر، فقد اعتمد في تحليله على ما يجري في دول الغرب، حيث إن عدداً من الأمراض المعدية كالحصبة والكوليرا وشلل الأطفال لم تعد تشكل تهديدًا خطيرًا بحلول عام 1967، وذلك بفضل تحسن سبل المعيشة ودعم هذه الدول لبرامج التطعيمات الأولية للأطفال. إضافة إلى ذلك، فقد تجاهل ستيوارت في تقييمه للأمراض المعدية النمو السكاني الهائل. فقد نما عدد سكان العالم من 3.5 مليار في عام 1967 إلى 7.7 مليار في عام 2019، ومن المتوقع أن يصل هذا التعداد إلى 10.9 مليار في عام 2100. كما تجاهل زيادة اعتماد العالم على السفر للعمل أو المتعة، وزيادة عدد النازحين إلى المدن والنازحين نتيجة الهجرة أو الحرب، وإزالة الغابات لاستيعاب العدد المتزايد من البشر في المسكن أو الطعام. كل هذه العوامل زادت من مخاطر تعرض الإنسان لمسببات الأمراض المعدية الناشئة وأيضاً المستوطنة. مما أدى إلى تعرض البشر لفيروسات جديدة وانتشارها على نطاق واسع، بعضها خطير مثل «سارس» و«ميرس» و«إيبولا» و«إنفلونزا الطيور»، على سبيل المثال لا الحصر. جميع هذه الفيروسات لديها القدرة على قتل الملايين كما رأينا مع وباء الإنفلونزا الإسبانية.
مرت سنوات الدراسة وانتقلت إلى الولايات المتحدة لمتابعة التخصص في طب الأطفال والأمراض المعدية لطب الأطفال. في السنة الثانية من التخصص الدقيق، مررت بتجربة فتحت لي نافذة على علم وعمل الصحة العامة من الناحية التطبيقية، حين تم تنويم طفل بأعراض التهاب سحايا المخ مجهول السبب، والذي اتضح فيما بعد أنه مصاب بفيروس «لاكروس»، وهو فيروس محدد في انتشاره جغرافيا بشرق وجنوب شرق الولايات المتحدة الأميركية ينتقل للأطفال عن طريق لدغة البعوض. طلب مني مشرف البرنامج بإبلاغ وزارة الصحة بتفاصيل الحالة وملء عدة استمارات عن بياناتها والحديث مع طبيب من الوزارة لتزويدهم بأي تفاصيل إضافية أو عينات من المريض في حال احتياج ذلك. لم أكن أعلم بأهمية التبليغ وكيف سيساهم في عمل الوزارة وبرنامج الاستقصاء الوبائي على مستوى المنطقة، والولاية، والدولة، ومن ثمَّ العالم. مسببات متلازمة التهاب سحايا المخ تظل مجهولة في معظم الحالات، لذلك التبليغ الدقيق بمعلومات المريض يزيد من احتمالية اكتشاف مسبب المرض في حال كان السبب جرثومة جديدة لم يتم الكشف عنها من ذي قبل. تبين لي أن دعم المناهج الطبية بأسس الصحة العامة وتأهيل الكادر الصحي مهم. ورداً على وليام ستيوارت، فإن كتب الأمراض المعدية يجب أن تبقى مفتوحة على مصراعيها ولفترة طويلة قادمة. وللبحث صلة.

* خبيرة الأمراض المُعدية والأوبئة