ثائر عباس
صحافي لبناني ومسؤول تحرير مكتب صحيفة «الشرق الأوسط» في بيروت
TT

افرطوا لبنان.. أهله لا يريدونه

أظهرت العمليات الانتحارية الأخيرة في لبنان، واقعا تصر أطراف من أطراف الأزمة اللبنانية على التعامي عنه، والتقليل من شأنه، في حين أن واقعه غير ذلك.
أن يفجر لبناني، نفسه بلبناني آخر، لاختلاف في المذهب أو المواقف السياسية، يمكن أن نضعه في القمة، متخطيا الاختلاف والخصام، والعداوة. ثمة شأن لا يفهمه هؤلاء، أو لا يريدون أن يفهموه. شاب لبناني عمره 19 عاما، يفجر نفسه بأمثاله من اللبنانيين. كلهم «أطفال»، كانوا - كما الانتحاري - طلبة جامعات، لديهم آمالهم وأحلامهم وتحدياتهم، فما الذي يجري في هذه البلاد التي تتغنى بأن نسبة الأمية فيها تكاد تكون معدومة؟ وكيف نربي أطفالنا ليقتلوا بعضهم بعضا.
«أطفال» مثل هؤلاء، ذهبوا إلى سوريا للقتال مع طرفي النزاع. صور «الشهداء» تتناثر في أرجاء الخريطة اللبنانية، والمسؤولون لا يزالون مختلفين على «شكل» الحكومة الجديدة، قبل الدخول في مضمونها. يتخاصمون على مبدأ «المداورة»، في حين أن مداورة أخرى من الموت تجول في كل المناطق اللبنانية تقريبا باحثة عن مزيد من الضحايا.
ما لا يريد هؤلاء أن يفهموه، هو أن ثمة أزمة كيان حقيقية في البلاد. المكونات اللبنانية تريد أن تعيش في عالمها، محافظة على الصورة الفلكلورية للهلال يعانق الصليب، وعمامات رجال الدين المختلطة بين السنة والشيعة.
السنة في لبنان يعيشون هاجس الجماعة، والشيعة هاجس الأقلية، والمسيحيون هاجس الابتلاع.. أما الدروز فهاجسهم الانقراض! وعلى صخرة هذه الهواجس تتحطم بنية الوطن، ومن بعدها بنية الدولة.
يتأثر سنة لبنان، كغيرهم من مسلمي العالم العربي، بما يجري في سوريا. القتل اليومي هناك، لا يتقبله اللبنانيون هنا. كما يخشى هؤلاء التمدد الإيراني الواضح في المنطقة، والنفوذ الكبير لهم في لبنان من خلال حزب الله الذي يعد القوة المسلحة الأولى. قيادتهم السياسية الجامعة التي تشكلت بعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري عام 2005، تتهشم تحت وطأة ضربات خصومها السياسيين من جهة، وتنامي قوة المتطرفين لدى السنة والشيعة على السواء.
منطق التشدد هو الأكثر قبولا لديهم، فلا صوت سيعلو فوق صوت المعركة، أما صوت الرئيس سعد الحريري في ندائه الأخير مطالبا بعدم إقحام السنة في الصراع بين «القاعدة» وحزب الله، فهو كمن يصرخ في واد. الحريري لا يزال صاحب الشعبية الأوسع في سنة لبنان. أمر أكيد، لكن السؤال هو إلى متى؟ فكل يوم يمر يكسب المتطرفون صوتا، يخسره الحريري الذي لا يستطيع أن يفسر الكثير من التصرفات التي يقوم بها هو شخصيا، كموافقته على حكومة تضم «شريكه في الوطن»، أي حزب الله.
أما الشيعة فهم مأسورون بعقدة الأقلية، والخوف من المارد السني القادم إليهم. وهكذا يتغلب العقل الجماعي لديهم، على العقل الفردي المعروف بانفتاحه، فبتنا نرى العلمانيين يسابقون المتدينين في الدفاع عن وجهة نظر الحزب.
يعتقد سواد الشيعة في لبنان، أن المعركة التي يخوضها الحزب في سوريا، إنما هي معركة استباقية للدفاع عن وجودهم في لبنان.. فـ«التكفيريون قادمون». يقنعهم بذلك الكم الهائل من التهديدات التي يوجهها البعض إلى «الروافض»، كما تضيف السيارات المفخخة، والهجمات الانتحارية على منازلهم (أي من الهجمات لم يستهدف المراكز المعلنة للحزب) وشوارعهم، كما هائلا من الإقناع، وتسهم في شحن الهمم لخوض المعارك في «يبرود» السورية، حيث يجري تفخيخ السيارات القادمة إليهم، عبر عرسال «السنية» في البقاع اللبناني، كما تقول كل التسريبات الأمنية في صحف لبنان ووسائل إعلامه الأخرى.
أما المسيحيون، فيبدو أنهم في واد آخر، يدافعون عن امتيازاتهم الطائفية المتمثلة بوزارة الطاقة السيادية، إذ وصلت الأمور بوزير لبناني إلى أن ينادي بأن النفط ضمانة للمسيحيين. قد يحق للمسيحيين أن يخشوا ضياعهم في الصراع السني – الشيعي القائم في المنطقة، لكنهم يختارون الطريقة الخطأ في مواجهة مخاوفهم. إن التعلق بـ«حقوق المسيحيين»، ومكاسبهم الصغيرة، لن يفيدهم كثيرا، فالكيان اللبناني بأسره مهدد، وعندما يضيع هذا الكيان، لن تفيدهم كثيرا وزارة «سيادية» مهما كان حجمها.
على المسيحيين أن يفهموا أنهم ضمانة للبنان، وأن يتصرفوا على هذا الأساس، بإظهار المزيد من التعلق بمفهوم لبنان – الدولة، ولبنان – الوطن. أما المسلمون – بشقيهم – فعليهم أن يقرروا أيا أقرب إليهم وهل هو «أخوهم البعيد، أم جارهم القريب»، كما يقول المثل اللبناني.
لبنان على مفترق كياني، فإما أن يقرر اللبنانيون جميعا أنهم لبنانيون ويتصرفون على هذا الأساس.. وإما فليذهب كل إلى حيث يهوى قلبه.. و«يفرطوها».