أودري أزولاي ونورة الكعبي وحسن ناظم*
* أودري أزولاي هي المديرة العامة لـ«اليونسكو» ونورة الكعبي هي وزيرة الثقافة والشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة وحسن ناظم هو وزير الثقافة والسياحة والآثار في العراق
TT

الموصل تنهض من رمادها

عندما توقفت أعلام «داعش» السوداء عن الخفقان في سماء الموصل في يوليو (تموز) 2017، ساد حينها شعوران، أوّلهما الارتياح لتحرير المدينة، وثانيهما التصميم على إعادة البناء.
وقد بدأ هذا التصميم يأتي بثماره الفعلية اليوم، فها نحن نطلق مسابقة معمارية دولية لإعادة بناء جامع النوري، أحد أكثر المواقع عراقة في المدينة؛ وهي فرصة فريدة يحظى بها المهندسون المعماريون من جميع أنحاء العالم للمساعدة في ترميم المباني العريقة في الموصل، وكذلك المساعدة على إحياء روح هذه المدينة. وتندرج هذه المسابقة في إطار مبادرة «اليونسكو» الرائدة «إحياء روح الموصل».
ولا تقتصر المعالم من أمثال جامع النوري والمنارة الحدباء وكنيستَي الساعة والطاهرة على كونها مجرد حجارة، فهي تهيمن في الواقع على مشهد الموصل وتُعتبر جزءاً من هوية المدينة. وإعادة بناء هذه المباني ليست مسألة ترميم الهياكل المادية فقط، وإنّما هي إعادة بناء حياة البشر فيها. ويضطلع كل من جامع النوري والمئذنة والكنيستين في الموصل بدور رئيسي في تحقيق الرفاه الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، فعملية ترميمها ستعود بالنفع على سكان المدينة ككل.
وهذا هو الهدف من مشروع «إحياء روح الموصل من خلال إعادة بناء معالمها التاريخية» الممول من دولة الإمارات العربية المتحدة. وتشمل هذه المبادرة التي يشارك فيها السكان المحليون ووزارة الثقافة والسياحة والآثار وديوان الوقف السني في العراق، ترميم وإعادة بناء مجمع جامع النوري والمنارة الحدباء، وكذلك إعادة تأهيل كنيستي الطاهرة والساعة. وسيوفر المشروع فرص عمل تتيح للشباب تنمية مهاراتهم، والمساهمة في تحقيق التماسك الاجتماعي والمصالحة ضمن المجتمع المحلي في الموصل كما في جميع أنحاء العراق.
وقد أُحرز تقدم كبير في هذا المشروع، حيث انتهت أعمال التوثيق والتقييم في كلٍ من جامع النوري والمنارة الحدباء، وجرى تأمين الموقعين وإزالة الأنقاض منهما؛ وجُمعت الأجزاء الأثرية منهما، وثُبتت الهياكل المتبقية. أما في كنيسة الطاهرة، فقد رُفعت الأنقاض وأُحيط الموقع بسور ورُكّبت كاميرات للمراقبة ووظِّف حراس أمن فيها، كما يجري العمل حالياً على تأمين موقع كنيسة الساعة.
وتتضمن المرحلة الرئيسية المقبلة من المبادرة، إجراء مسابقة معمارية دولية لاختيار تصميم لمجمع جامع النوري، تشمل الحفاظ على المصلّى ودمجه ضمن مبنى جديد، وإنشاء مبانٍ جديدة داخل المجمع، وإعادة تأهيل بعض المباني التاريخية وتجميل الموقع. فبعد الترميم، سيتجاوز دور المجمع الوظيفة الدينية، حيث سيخدم المجتمع المحلي بأسره من خلال الأماكن الجديدة التي ستُنشأ فيه من أجل الأنشطة التعليمية والاجتماعية والثقافية.
وقد فُتح الآن باب المشاركة في المسابقة، إذ يمكن للمهندسين المعماريين من جميع أنحاء العالم التقدم باقتراحاتهم، وسيعلن عن الفائز في ربيع عام 2021، وستختار لجنة تحكيم دولية التصميم الفائز بالمركز الأول والتصاميم الفائزة بالمراكز الأربعة التالية.
وندعو اليوم المهندسين المعماريين في جميع أنحاء العالم إلى المشاركة في هذه المسابقة، والمساهمة في إعادة إعمار هذه المدينة الهامة. فربما دمّر النزاع الموصل، غير أنّ أسسها الاجتماعية والثقافية والتاريخية لا تزال قائمة؛ ويمكن للمدينة قيادة نهضتها بذاتها من خلال البناء على مواطن قوتها هذه، كما يمكنها تحسين حياة سكانها وسبل عيشهم من خلال إعادة بناء معالمها.