بعد أن تمرس اللبنانيون في التعاطي مع التفجيرات العشوائية، والمركزة، التي تستهدف الناس حينا، والسياسيين أحيانا، باتت لديهم طقوسهم الخاصة في التعامل مع الكوارث المماثلة التي عادت لتضربهم منذ أواخر العام 2004، بعد هدنة طويلة فرضها انتهاء الحرب الأهلية.
ففي أواخر، ذلك العام تعرض النائب مروان حمادة لمحاولة اغتيال بسيارة مفخخة، تلتها في بداية العام 2005 عملية الاغتيال – الحدث الذي أودى بحياة رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري. ثم كرت سبحة التفجيرات – الاغتيالات وآخرها كان في ديسمبر (كانون الأول) الماضي باغتيال الوزير السابق محمد شطح.
يبدأ الطقس اللبناني، مع حصول الانفجار، فيهرع القريبون من موقع التفجير إليه لمعاينة الحادثة، غير آبهين بإعاقتهم عمليات الانقاذ، كما أن بعضهم يباشر "المساعدة" على طريقته سواء بإطفاء النار، أو بنقل المصابين الى المستشفيات.
أما في المناطق البعيدة نسبيا، فيبدأ الأمر مع ارتفاع في أبواق السيارات، نتيجة استعجال أصحابها لإخلاء الشوارع والعودة الى بيوتهم، يليها اختفاء الناس من الشوارع التي تصبح شبه خالية في المواقع القريبة من الحدث، فيما تقل الحركة نسبيا في المناطق الأبعد.
أما القاسم المشترك، فهو تعطل وسائل الاتصالات بشكل شبه كامل في محيط المنطقة المستهدفة. فاللبنانيون، وبمجرد سماعهم صوت الانفجار، يبدأون مروحة اتصالات هاتفية تبدأ مع الدائرة الضيقة من الأهل، فيطمئن كل شخص على أفراد عائلته المقربين، ثم على أقاربه الآخرين، فاصدقائه، ثم معارفه، وكل من يعتقد انه معرض للخطر.
ونتيجة لهذا التهافت، تصاب شبكة الاتصالات، بما يشبه "السكتة الدماغية" بسبب الضغط الكبير على الشبكة، وتركز الاتصالات على منطقة جغرافية واحدة. بعدها يتسمر اللبنانيون امام شاشات التلفزة، يتابعون محطات الاخبار التي تفتح البث المباشر من موقع الحدث، او من أقرب المواقع إليه. ونتيجة البحث عن الخبر، يتهافت مراسلو القنوات الاخبارية على الإدلاء بمعلومات يكون معظمها مغلوطا وغير دقيق في أحسن الأحوال، فتؤدي السرعة الى التسرع، فيما يكون عدد الضحايا أشبه بالبورصة التي ترتفع وتهبط في كل محطة، ولا تستقر إلا في نهاية النهار، حيث يكون الرقم النهائي غالبا أقل من الأرقام التي تبث في ساعات الأزمة، لكنه يكون دائما أكبر من الخبر الأولي الذي ينطلق عادة بضحية او اثنتين.
بعدها، يطل وزير الصحة على التلفزيون، معلنا أرقاما (تكون غالبا غير دقيقة أيضا) عن عدد الضحايا، ويطلب من المستشفيات استقبال الجرحى على نفقة الوزارة، ثم وزير الداخلية الذي يتحدث عن التفاصيل التقنية والسياسية، فيما يسطر المدعي العام استنابات قضائية يكلف بموجبها استخبارات الجيش (إذا كان التفجير يستهدف مناطق 8 آذار) أو فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي (إذا كانت في مناطق 14آذار) لبدء التحقيقات وجمع الأدلة.
تنتقل المحطات التلفزيونية من موقع التفجير، إلى المستشفيات ليبدأ نوع جديد من البث المباشر الذي يتركز على معاناة المصابين وعائلاتهم، وإحصاء عدد الجثث، ثم يأتي نواب المنطقة لتفقد الجرحى والإدلاء بتصريحات من امام المستشفى.
وفيما يدعو رئيس الحكومة "هيئة إدارة الكوارث للاجتماع" يعلن اليوم التالي يوم حداد وطني، ويطلب من الهيئة العليا لإغاثة وإحصاء الأضرار تمهيدا للتعويض على المتضررين.
أما القاسم المشترك الدائم، من لحظة الانفجار، حتى نهاية البث المباشر، فهو عدد السياسيين الذين يتبارون في الظهور على شاشات التلفزيون.
8:32 دقيقه
TT
طقوس ما بعد الانفجارات.. لبنان نموذجا
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
