التقيت رجل الاعمال اللبناني كامل حمادة من منطقة الشوف بعقلين صاحب مطعم" تافرنا دو لوبان " في العاصمة الافغانية كابل عشرات المرات خلال اكثر من زيارة لها، وأجريت معه حوارين منشورين في «الشرق الأوسط». والمطعم كان ملتقى رجال الاعمال والساسة والدبلوماسيين وضباط الــ"سي اي ايه" ورجال الاستخبارات من كل صنف ولون. والراحل كامل حمادة الذي قتل اول من أمس في تفجير انتحاري نفذته "طالبان"، كان يعرف زبائنه بالاسم ومحبا للحياة بشكل غير عادي، وكان يقيم دورات خدمية لعماله الأفغان لتقديم الأفضل، وكان من الصعب ان تجد طاولة فارغة في مطعمه، كما كان يؤكد لي في كل زيارة عندما كنت أذهب للعشاء بعد يوم عمل طويل متعب من اللقاءات والحوارات مع مسؤولي الحكومة الأفغانية. كان مطعمه الموجود في حي وزير اكبر خان او حي السفارات في منتهى الأمن والأمان، وكان يسال عني كل ليلة اذا تأخرت في القدوم، وكان يحب الصحافيين، ويلقي النكات هنا وهناك وهو يتنقل بين طاولات المطعم، وكان صديق الكل، ويعرف كيف يخاطب الجميع. وكان يقلل من قلقي باعتبار ان المطعم الموجود على الشارع العمومي في الحي الدبلوماسي خلف فندق "هيتال بلازا " المملوك لجلال نجل الشيخ البروفسور برهان الدين رباني رئيس اول حكومة "للمجاهدين" ورئيس لجنة المصالحة، والذي قتل هو الآخر في تفجير انتحاري قبل عامين، وكان كامل حمادة القانوني الذي ترك مهنة المحاماة من أجل بيزنس المطاعم في عاصمة لأتهادن التي مخلوط ترابها بالدم والنار. والمطعم كان يحرسه عدد من الحراس الأشداء وهم أشبه بهدية خاصة من عبد الرحيم ورداك وزير الدفاع الافغاني، الذي كان يعتبر المزة اللبنانية والمشاوي طعامه المفضل، وكان حمادة رحمة الله عليه يؤكد ان طالبان او المتمردين ليسوا على عداوة مع التبولة او الحمص او المتبل، وصراعهم لا يمكن ان ينزل الى مستوى استهداف المطاعم اللبنانية. وكان حمادة من المؤمنين بالله وكان يقول بعفوية شديدة: العمر واحد والرب واحد، وكابل ليست اخطر من بيروت إبان الحرب الأهلية ، وكانت اكبر طموحاته ان يكون لديه جرسونات من بلده الأصلي المعروفين بالإتيكيت وحسن الخدمة الى جانب نزلائه الأفغان الذين قضى معهم أياما طويلة في التدريب على خدمة الزبائن بجانب كبير طهارته اللبناني الأصل الذي استقدمه من دبي، اما اللحوم والأسماك والبهارات وأنواع المعسل لزوم الأرجيلة او الشيشة فكان يستورد ها من دبي وبيروت. وابتكر أيضاً شيئا جديدا فكان يضع اللبن بدلا من المياه في الشيشة، وكنت أساله عن مخاوف زوجته وابنته عليه فكان يؤكد أنهما بخير ويتصلان به كلما حدث تفجير انتحاري كبير في العاصمة كابل التي لم تعرف طعم الراحة منذ سقوط الحركة الأصولية عام 2001 ، وكانت رسالته هي ان يشعر الزبون انه في منزله عندما يطرق أبواب مطعمه، وكان يبتكر أساليب جديدة في الضيافة لم تعرفها المطاعم الافغانية او الأجنبية في العاصمة كابل، منها حساب الطلب الاول على حساب صاحب المحل مثل الشوربة او المناقيش او طبق من الفاكهة بعد العشاء او تقديم الأرجيلة مجانا للزبائن. ورغم خبرته في الميزات اللبنانية ونكهته المميزة في الترحيب وتوديع زبائنه، إلا انه كان أيضاً مميزا في أصناف الطعام الأفغاني مثل النان والرايس كابولي والمشويات، وفي كل مرة على الباب وهو يودعني بابتسامة واسعة والقبلات كان يقول .. الله خير حافظا .. الله يرحمك يا عم كامل واجعل مثواك في فسيح جناته. آخر ضحايا عنف طالبان الأعمى.
ولغرض الاطلاع على الحوار كاملا يرجى زيارة هذا الرابط.
http://www.aawsat.com/details.asp?section=54&article=596311&issueno=11682
