بالأمس هبطت أسعار النفط لخام برنت في لندن، وخام غرب تكساس نيويورك، إلى أدنى مستوياتها، عند ما يقارب 60 إلى 52 دولاراً للبرميل، على التوالي، ما يجعل الجميع في حيرة وقلق حيال الفترة القادمة.
فبعد الحديث عن سيناريوهات لأسعار النفط في الربع الرابع عند 80 و90 دولاراً، تحول الحديث إلى 50 و60 دولاراً... وبالنسبة للعام المقبل فإن التوقعات انقلبت كذلك، وبدأت كبرى المصارف العالمية تغير توقعاتها نزولاً، وعلى رأس من بدلوا توقعاتهم مصرف «جي بي مورغان»، الذي تربطه بقطاع النفط السعودي علاقة قديمة وقوية.
وبالأمس، قال «جي بي مورغان» إن أسعار نفط برنت في العام المقبل ستصل في المتوسط إلى 73 دولاراً للبرميل بدلا من التقدير السابق عند 83.5 دولار، بسبب الزيادات المتوقعة في الإنتاج من خارج منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» والمخاوف من انخفاض الطلب على النفط.
وهنا نتساءل... إلى أين ستتجه أسعار النفط؟ وهل الهبوط الذي يحدث في الأسعار حالياً مبرر؟ وهل هناك ما يبرره في العام المقبل؟
سألت بعض الأشخاص ممن لهم علاقة بالسوق، فأوضحوا لي أن الأساسيات ليست سيئة للدرجة التي تجعل الأسعار تهبط بهذا الشكل الكبير وتدخل مرحلة انكماش (bear market)، وأن غالبية التعاملات الأخيرة من قبل المضاربين (sell off) هي نتيجة البيع على أساس التصورات المستقبلية، وليس بناء على الأساسيات (ومنذ متى كانت الأساسيات تهم المضاربين؟!!). وهناك من اقترح أن الآفة كانت في عمليات البيع الإلكترونية التلقائية حيث يعتمد كثير من دور تجارة النفط على بيع آلي من خلال لوغاريتمات تم تصميمها لهذا الغرض تبيع من نفسها متى ما كانت هناك مؤشرات وكلمات معينة تتردد في السوق.
شخصياً، ما زلت أسبح عكس التيار فيما يتعلق بهبوط أسعار النفط، ولست مقتنعاً بما يجري في السوق. نعم هناك زيادة في الإنتاج من داخل وخارج «أوبك» في الربع الأخير من هذا العام بشكل مفاجئ، وهناك ضغوطات سياسية على «أوبك» من قبل الولايات المتحدة لخفض الأسعار، وهناك مطالب من كل المستهلكين بخفض الأسعار، وعلى رأسهم الهند؛ إلا أن هذا لا يكفي.
وإذا افترضنا أن صعود المخزونات الأميركية في الربع الثالث من العام الحالي جرى بشكل كبير، فإن هذا ليس دليلاً كافياً على أن السوق تعاني من خلل في ميزان العرض والطلب حالياً. نعم هناك ما يقلق إلى حد ما في زيادة المخزونات، التي زادت بصورة أسبوعية على مر الأسابيع التسعة الماضية لتصل الآن إلى مستوى 6 في المائة فوق متوسط السنوات الخمس لهذا الوقت من العام... لكن هذا المستوى لا يعني أن الوضع سيستمر في الأسابيع المقبلة.
ولا أستطيع الإنكار أن الإنتاج الأميركي زاد بشكل كبير في الأسابيع الماضية، ومن المتوقع أن يصل إلى 10.9 مليون برميل يوميا في المتوسط هذا العام، بزيادة 16 في المائة عن العام الماضي، ومن المتوقع أن يزيد إلى 12.1 مليون برميل يوميا في العام المقبل مع وجود 8500 بئر تم حفرها، ولم يتم توصيلها وإكمالها حتى الآن، يرجح أن يدخل جزء كبير منها للإنتاج مع اكتمال بعض أنابيب نقل النفط في أميركا العام المقبل.
كل هذا مقلق إذا نظرنا له من الخارج، ولكنه لا يقلقني لأسباب كثيرة جداً. السبب الأول، وهو الأهم، أنني بعد سنوات طويلة من تغطية القطاع النفطي تعودت على التذبذبات السعرية وعلى التقلبات الكبيرة، التي سرعان ما تنحسر مع تغيير المنتجين سياساتهم.
ثانياً، لا يمكن التكهن بانهيار أسعار النفط مع دخول فصل الشتاء، الذي يزيد فيه الطلب في العادة. ثالثاً، ما جرى في الربع الأخير من العام الحالي كان أغلبه نتيجة عوامل سياسية أثرت على نظرة المضاربين والمستثمرين، من انتخابات في الولايات المتحدة، وتغريدات متكررة للرئيس الأميركي عن خفض أسعار النفط. وهذه العوامل لن تستمر في العام المقبل.
أما من ناحية العرض، فإن اتفاق «أوبك» والدول خارجها الذين أصبحوا يعرفون باسم «تحالف أوبك+»؛ لخفض الإنتاج لا يزال سارياً حتى نهاية العام الحالي، وإن كان الاتفاق فعلياً تم وضعه جانباً، بعد اجتماع «أوبك» الأخير في يونيو (حزيران) حيث تم فتح الباب للجميع لزيادة إنتاجهم. «التحالف» سوف يجتمع في 6 و7 ديسمبر، ولا أتصور أن المنتجين سيتركون أسعار النفط تخرج عن مستوى 60 إلى 70 دولاراً، وهو المستوى المناسب لروسيا ولكثير من دول «أوبك».
عندما لامس سعر النفط 86 دولاراً للبرميل في بداية أكتوبر (تشرين الأول) كان ذلك ضاراً بالمستهلكين، ومن الجيد أن الأسعار انخفضت قليلا إلى مستويات السبعينات بعدها، لكن انخفاضها إلى مستوى 60 دولاراً في هذه الفترة البسيطة دليل على عودة التذبذب إلى أسوأ مراحله منذ فترة 2014 - 2016 وفترة انهيار الأسواق المالية في 2008.
السعودية و«أوبك» تعيان ذلك جيداً، فيوم الخميس أرسل وزير الطاقة السعودي خالد الفالح مؤشرات على أن المملكة مستعدة لخفض الإنتاج في الاجتماع القادم، وسط أنباء عن مساعٍ لتخفيض إنتاج «أوبك» كاملاً بنحو 1.4 مليون برميل. وعليه، فإن معرفة شكل أسعار النفط في 2019 سيعتمد على قرارات 6 ديسمبر (كانون الأول).
9:43 دقيقه
TT
أسعار النفط إلى أين؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
