بين كسب الحرب وتحقيق السلام

بين كسب الحرب وتحقيق السلام

الثلاثاء - 2 ذو القعدة 1438 هـ - 25 يوليو 2017 مـ رقم العدد [14119]
باسم الجسر
كاتب لبناني

إن لم يكن غداً فبعد غد سوف تصفى عسكرياً «دولة داعش» المزعومة التي أعلنها التنظيم على الأراضي التي احتلها في شمال العراق وسوريا وشكلت الموصل والرقة قاعدتين رئيسيتين فيها. هذا ما يجمع عليه الضالعون والمطلعون. ولكن ما يكاد يجمع عليه أيضاً هو التأكيد على أن الإرهاب الداعشي وغير الداعشي لن تطوى صفحته نهائياً بل إنه سيستمر بأسماء وأشكال وعناوين جديدة، وأن مقاومته والتغلب عليه يتطلبان استراتيجية سياسية وثقافية واقتصادية دولية وإقليمية ووطنية تعالج محنة شعوب هذه المنطقة من العالم كما يجب أن تعالج - أي في الأساس وعلى كل الأصعدة والميادين، لا كما حصل في العراق بعد الاحتلال الأميركي له.
هناك كلمة للسياسي الفرنسي الكبير كليمنصو يقول فيها «إن صنع السلام أصعب بكثير من خوض الحرب»، وما أصدقه قولاً عندما نتأمل فيما حصل في العراق بعد «تحريره» من حكم صدام حسين وحل الجيش العراقي وتسليم الحكم حينها إلى حزب ضالع في المخطط الإيراني للهيمنة على الهلال الخصيب. ويا لها من مفارقة تلك التي نشهدها اليوم في المنطقة وفي سوريا تخصيصاً، ونعني استدعاء قوات أميركية وأوروبية وإيرانية إلى الأراضي العربية لمساعدة هذا الفريق العربي في مقاتلته لفريق عربي شقيق... أو لأغراض أخرى أبعد من النزاع على الحكم في هذين البلدين العربيين.
لقد كان مطلباً قومياً ووطنياً وسياسياً طوال عصر الاستعمار والانتداب، جلاء القوات الأجنبية عن الأراضي العربية، واليوم باتت أكثر من جهة عربية تستنجد بقوات أجنبية للدفاع عن نفسها أو للتغلب على من أو ما يهددها، داخلياً أو إقليمياً.
إن اقتلاع تنظيم داعش من العراق وسوريا خطوة تفرض نفسها، ولكنها خطوة أولى وقد تكون أسهل الخطوات. أما الخطوات التالية فهي وقف القتال والتقاتل وإعادة بناء المدن المدمرة وعودة ملايين النازحين إلى ديارهم وإقامة أنظمة حكم سياسية تتمثل فيها القوى والأحزاب والطوائف والأعراق. وقد يتطلب ذلك عقد مؤتمر دولي تشارك فيه الدول الكبرى والدول الشرق أوسطية النافذة ويفرض شروطاً جديدة للسلام في الشرق الأوسط. ولا ننسى العقبات الجديدة التي تولدت مع الحربين الأهليتين في العراق وسوريا ونعني استعداد أكراد العراق لإعلان «حكمهم الذاتي» (أو إنشاء دولتهم) في شمال العراق وما سوف ينجم عن ذلك من ردود فعل تركية وإيرانية وعراقية.
غير أن عملية إعادة السلام إلى الشرق الأوسط لا بد من أن تسبقها خطوتان؛ حل القضية الفلسطينية وإقناع - أو إرغام - إيران على التخلي عن مشروعها للهيمنة على الشرق الأوسط والخليج، وهو أخطر من مشروعها النووي الذي توقفت مؤقتاً عن تنفيذه.
ثمة واقع لا بد من الاعتراف به ومشاركة الأسرة الدولية في معالجته ونعني الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتخلف في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية الذي يحول دون تنمية الاقتصاد الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية بل وقيام نظام حكم صالح وقادر، وبالتالي نوع من الاستقرار والسلام الداخلي يرتاح إليهما الشعب. وهو واقع زادته حدة ظاهرة دمار المدن وتشريد الملايين من ديارهم. ولا ننسى التعارض الثقافي بين حضارة الغرب الحديثة المطلقة لحقوق الإنسان إلى أقصى حد، والحضارة العربية - الإسلامية المحافظة التي بات يشكل في عصر التواصل الإلكتروني والإنترنت والعولمة عاملاً حاسماً في العلاقات الدولية وفي مفاهيم سيادة الحقوق والحرية... ولا الهوة التناقضية التي حفرتها «القاعدة» و«داعش» بين الشرق والغرب في اعتمادها العنف الإرهابي الذي فجرته في السنوات الأخيرة وأساءت به إلى الإسلام والمسلمين أكثر مما أساءت أو أضرت بالشعوب الغربية.
إن تبييض صورة الإسلام والمسلمين مما ألحقه «داعش» و«القاعدة» وأمثالهما من التنظيمات الإرهابية تحت شعار «الجهاد» هو خطوة أساسية في عملية القضاء على الإرهاب عربياً وإقليمياً ودولياً.
إن من يتأمل بعمق فيما هو محتدم اليوم في الشرق الأوسط خاصة والعالمين العربي والإسلامي وفيما وصلت إليه الحرب على الإرهاب، لا يسعه سوى التساؤل عن مصير السلام في الشرق الأوسط، وأن يميل إلى الاعتقاد بأن هذه الحروب في سوريا والعراق واليمن وليبيا قد تطول سنوات وأنها ستترك وراءها مدناً مدمرة وملايين من النازحين واللاجئين.
إن الدول الكبرى يهمها أن لا ينتقل القتال إلى أراضيها وأن تقضي على الإرهاب الذي يهددها، ولكنها لن تقدم مصلحة العرب والمسلمين على مصالحها واستراتيجيتها الدولية. ومسؤولية الأطراف العربية والإسلامية في هذا الصراع لا تقل أهمية عن مسؤولية الدول الكبرى.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة