استعادة الموصل وعودة العراق

استعادة الموصل وعودة العراق

الاثنين - 23 شوال 1438 هـ - 17 يوليو 2017 مـ رقم العدد [14111]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
لم يكن متوقعاً لدويلة «داعش» أن تعمر طويلاً. لا العراق يستطيع التعايش مع ورم سرطاني من هذا النوع. ولا إقليم كردستان يستطيع القبول بجار بهذه الخطورة. دول المنطقة لا يمكنها التساهل. والعالم لا يمكنه التسامح. أثارت دويلة البغدادي قلق الجميع. وكان لا بد من قرار باستئصالها. وهذا ما حصل.
ومنذ البداية قال الخبراء إن هذه الدويلة موعودة بالسقوط. وإن الإرهاب يرتكب خطأ قاتلاً حين يصبح له عنوان معروف يمكن الانقضاض عليه. وإن قوة الإرهاب أصلاً أن يكون متخفياً ومفاجئاً ولا يملك عنواناً لتدفيعه ثمن ارتكاباته.
ومن حق السلطة العراقية أن تحتفل بالنصر. كان تحصن «داعش» في الموصل تهديداً خطيراً لاستقرارها ووجودها. كان مشروع مذبحة مفتوحة وفتنة دائمة. ولا مبالغة في القول إن الانتصار الذي تحقق محا صورة مؤلمة ظهرت قبل ثلاث سنوات يوم استسلمت قطعات كاملة من الجيش العراقي أمام «داعش» ومكنته من الاستيلاء على ترسانة كاملة من أسلحتها الأميركية الحديثة. قدم الجيش العراقي تضحيات كبيرة لمحو تلك الصورة وإنقاذ المدينة والبلاد. وكانت قوات البيشمركة قدمت بدورها تضحيات كبيرة لإحباط حلم «داعش» التحصن في الإقليم والتمركز عبره على حدود إيران وتركيا وسوريا.
ومن حق حيدر العبادي أن يرفع يده تحية للقوات التي تحتفل بالنصر. إنه رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة. والأكيد أن مصير موقعه وتجربته كان معلقاً على نتائج معركة الموصل. واليوم باستطاعته القول إن الجيش اندحر في عهد سلفه لكنه انتصر في عهده. وإن الموصل سقطت في عهد المالكي واستعيدت في عهد العبادي. وإن انتصار الموصل يضاعف شرعيته داخل حزبه والمكون الذي ينتمي إليه وكذلك على الصعيد الوطني. وهذا ليس قليلاً بالنسبة إلى من يعرف قصة العلاقة الشائكة بين رئيس الوزراء الحالي وسلفه الذي بقي ظله مهيمناً على الحياة السياسية رغم خروجه من مكتبه تحت وطأة كارثة الموصل.
في الحديث عن الانتصار على «داعش» لا بد من الالتفات إلى ما سبق استيلاءه على الموصل. والحقيقة هي أن التنظيم ولد عملياً من مجموعة أخطاء وخطايا وسياسات فئوية وتدخلات إقليمية رافقت التصدع الذي أصاب التركيبة العراقية والعلاقات بين مكوناتها.
ولد «داعش» على مسرح شهد تعاقب قرارات خاطئة وسياسات مستفزة. لا يصح أن ننسى قرار بول بريمر حل الجيش العراقي وبعده قرار اجتثاث «البعث»، وهو ما دفع عسكريين من جيش صدام حسين إلى أحضان المقاومة أولاً، ثم إلى أحضان التنظيمات «الجهادية»، وصولاً إلى تنظيم البغدادي. ولد أيضاً لأن الفريق الذي انتصر وهو شيعي لم يسارع إلى وضع انتصاره في تصرف مشروع دولة تتسع للجميع. قسم من هذا الفريق تعامل مع الانتصار بوصفه بداية لتصفية حساب تاريخي، ما فتح الباب لتأسيس ظلم جديد انطلاقاً من الثأر من ظلم سابق.
لا الفريق الذي انتصر أحسن إدارة انتصاره ولا الفريق الذي خسر أحسن انتهاج سياسة تحد من الخسائر. ثمة واقعة لافتة في هذا السياق. بعد سقوط صدام حسين زار وفد من فاعليات العرب السنة رئيس إقليم كردستان العراقي مسعود بارزاني للبحث في مستقبل الوضع العراقي. خلال اللقاء نصح بارزاني أعضاء الوفد بتشكيل هيئة تنطق باسمهم وتعبر عن هواجسهم ومخاوفهم وتستطيع التحدث إلى ممثلي المكونات الأخرى.
قال بارزاني للوفد إن المهم هو تجنيب العراق صداماً دموياً بين المكونات. واعتبر أن على العرب السنة التفكير في موقعهم في العراق الجديد لأن العودة إلى الماضي مستحيلة. وأشار إلى أن الدستور العراقي يتضمن الحق في قيام أقاليم تبقي العراق موحداً لكنها تقلص أسباب الاحتكاك والتصادم بين المكونات. وأن على العرب السنة التفكير في خياراتهم المستقبلية لأن انقساماتهم ستجعل الحلول تتم على حسابهم. لم يتفق زعماء العرب السنة. قسم استقطبه الوضع الجديد وأغراه بمكاسب، وقسم تعنّت وتمسك بحلم إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ومع تقلص الحضور الجدي للمكون السُنّي في المؤسسات العسكرية والأمنية ودوائر صناعة القرار، ومع تزايد الدور الإيراني في إدارة العراق، وقع جزء من الرأي العام في المناطق السُنّية تحت جاذبية الخيارات الانتحارية وعثر «داعش» على نافذة للتسلل منها.
لا يرمي هذا الكلام إلى التقليل من حجم الانتصار الذي أثار ارتياحاً عربياً وإسلامياً ودولياً. إنه يهدف إلى القول إن الانتصار على مسلحي «داعش» في الموصل لا يعني نهاية التنظيم الذي قد يعود أكثر خطورة حين يصبح بلا عنوان معروف. وأن الانتصار على المسلح «الداعشي» قد يكون أسهل من الانتصار على فكرة «داعش» نفسها. الانتصار الدائم على الظروف التي سهلت ولادة «داعش» يستلزم إصلاحات وإعادة النظر في سياسات والبدء ببناء دولة المؤسسات في العراق. وهذا يعني اعتماد مبدأ المواطنة والشراكة الوطنية واحترام الدستور وترميم هيبة الدولة وقدرتها على صناعة قراراتها في بغداد.
لمنع عودة «داعش» إلى هذه المدينة أو تلك. ولمنع ولادة ما يشبه «داعش» أو ما هو أخطر منه، لا بد للعبادي من تحويل انتصار الموصل إلى تفويض بالعودة إلى بناء الدولة العراقية على قاعدة المصالحة والمشاركة، وهي قاعدة تتخطى المحاصصة الطائفية والمذهبية.
على حيدر العبادي أن يلتفت إلى ساعته. الصعوبات هائلة والضغوط كثيرة. لكن جعل معركة استعادة الموصل بداية لعودة العراق تستحق المغامرة. عودة العراق دولة طبيعية بعد ترميم العلاقات بين المكونات. وإذا سادت هذه الروح في بغداد سيمكن العثور بالتأكيد على صيغة لإبقاء إقليم كردستان جزءاً من العراق، حتى ولو قال المكون الكردي كلمته في الاستفتاء.
عودة العراق حاجة عراقية ملحة. وحاجة عربية وإقليمية. انكسار الضلع العراقي أطلق شهيات الدول غير العربية في الإقليم. وانكسار الضلع العربي السُنّي في الداخل أطلق عملية التفكك والتشرذم وحوّل العراق مسرحاً لميليشيات الداخل والخارج. الكلام الأخير للمرجعية عن ضرورة تساوي جميع العراقيين من كل المكونات أمام القانون يجب أن يشجع العبادي على الذهاب أبعد في هذه المحاولة.
لا تكفي استعادة الموصل. لا بد من عودة العراق إلى وحدته ومؤسساته وحرية قراره واحترام حدوده. العراق ليس دولة هامشية. لا في الجغرافيا ولا في التاريخ. ووحدها يقظة الروح العراقية بعيداً عن مشاعر الشطب والاستئثار والتعصب تحمي الكيان وتمنع عودة «داعش» وأخواته إلى هذه البلدة أو تلك المدينة.

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
17/07/2017 - 05:27

الاستاذ غسان الحاجة اصبحت ماسة بانأخذ الامور بجدية وبحكمة ( ومن اوتى الحكمة فقد اعطى خيرا كثيرا )فعالمنا العربى يجلس على صفيح ساخن وفى بعض اجزاء ه رماد تحته جمرات من النار نريد من العقلاء فى وطننا العربى الكبير الجلوس لوضع ميثاق شرف من خلاله نستطيع التعايش مع بعضنا البعض (مسيحين شيعة وسنة ) ان لم نلحق الموضوع ووضع هذا الميثاق ستظل الحروب قائمة والشىء المؤسف اننا لازلنا نعتقد ان القوءة العسكرية وحدها ستضع حدا لمشاكلنا وهذا خطأ وها نحن نعيش من حرب الى حرب هذا الميثاق يجب ان ان يضع اول اولوياته الاحترام المتبادل وبدون احترام سنظل فى حالة استفزاز دائم لبعضنا البعض بقصد او بدون قصد وخوفى الان لما سيحدث فى الموصل

الاعلامی مسعود باله ته یی
البلد: 
Kurdistan
17/07/2017 - 08:12

مقال يلهم المقربين من صنع القرار ويعيد الى الذاكرة استهتار المستهلكين
بالفرص المتاحة التي أضحت هباءا منثورا هباءا ... شكرا لهذه الحقائق التي
يتغافل عنها اعلام وأبواق تجار الحروب في العراق.

احمد العيثاوي
البلد: 
العراق
17/07/2017 - 08:15

أحسنت القول استاذ شربل واتمنى ان يقرأ كلامك العبادي وان لا يصغي لتوافه حزبه مثل المالكي او أي معتوه من الحشد مثل العامري او الخزعلي... والله ان الامور واضحة هنا وما يجب فعله ليس مستحيل بل كل ما يحتاجه رغبة حقيقية وشجاعة كبيرة... ندعو الله التوفيق لكل جهد وطني نزيه

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
17/07/2017 - 13:00

كما تثبت الاحداث فإن كل ثلة من العاطلين والمجرمين يؤسسون تنظيما ويضعون له قائدا او أن القائد يضم إليه عناصر مشبوهة ويكوّنون مظمات تعيش فسادا في الأرض ، فتسرق وتقتل وتذبح وتفرضالأتاوات ، وتتزوج النساء دون عقود شرعية ، اي انها تستحل أعراضهم ، وعندما تجد مقاومة شديدة تدحرها ، فإنها تنسحب إلى منطقة أخرى بحثا عن رزقها الملعون ، إلى ان يتم تصفيتها في كل مكان ، فيخرج بعدها تنظيما مشابها بمسمى مختلف ، وهكذا دواليك، فمن القاعدة إلى داعش إلى النصرة ، وإلى ، وإلى ..، لذا يجب ان نبحث عن حل ناجع يمنع ظهور مثل هذه الجماعات ، لا أنْ نفاتلها بعد ظهورها وتمكّنها ، نعم علينا بتجفيف منبع الإجرام والقتل والإرهاب قبل ان يستيقظ من جديد

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
17/07/2017 - 17:08

رغم ان الانتصار في معركة الموصل حدث في عهد العبادي والانكسار حدث في عهد المالكي ، الا أنه عمليا لا يزال رئيس الوزراء السابق لديه نفوذ قوي داخل حزبه وفي المليشيات . للاسف استاذ غسان ان مشكلة العراق الاولى هي النفوذ الايراني الموجود والذي يمكن اعتباره احتلال وان أختلف شكله . ليس بيد العبادي شيء ان اراد استعادة العراق هناك اليوم قوى على الارض ، عمليا هي ليس تحت امرة العبادي وان كانت بعضها شكليا تحت امرته. لايمكن طلب مِن مَن لا يستطيع. إن كان المجتمع الدولي جاد في انهاء ازمة العراق فعليهم مساعدة العبادي في التخلص من القوة الغاشمة الموجودة على الارض والتي عاثت فسادا وأهلكت الحرث وانسل. وكل ذي راي يعلم ان لا دولة بوجود مليشيات ولا قانون ولا حقوق انسان ولا صحافة حرة ولا عيش آمن ولا حياة كريمة . لقد بح صوتنا في هذا لكن يبدو أن لا حياة لمن تنادي.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر