سلطان في الفاتيكان

سلطان في الفاتيكان

الخميس - 15 شعبان 1438 هـ - 11 مايو 2017 مـ رقم العدد [14044]
جوسلين إيليا
إعلامية وصحافية لبنانية عملت مقدمة تلفزيونية لعدة سنوات في لندن وبيروت، متخصصة في مجال السياحة.
توقفت الحافلة السياحية الصغيرة عند حائط الفاتيكان في روما ، ترجل بعض الركاب وبقي آخرون على متنها ، وكانت توجد حقيبة سفر عملاقة في الحافلة أيضاً، لم يهمني أمر من بقي في الحافلة لأني كنت على عجلة من أمري لأرى أصغر دولة في العالم، ولم يكن لدي متسع من الوقت لأن جيانكارلو سائق الشاحنة طلب مني وصديقتي العودة بعد ساعة ونصف الساعة الى النقطة ذاتها التي انطلقنا منها.

ولكن ما شاهدناها خلال فترة قصيرة لا يحصى ولا يعد والأميال التي قطعناها من الفاتيكان الى ساحة نافونا لا تحصى ولكنها تعد وكانت كثيرة بحسب ما أشار تطبيق الصحة على الهاتف الجوال.

عدنا في الوقت المتفق عليه وعادت الحافلة ولكن لم يكن على متنها إلا سلطان.

تكلمت مع صديقتي بالعربية ، وسرعان ما سمعت صوتاً يتكلم أيضاً بلغة الضاد يقول: "محرمة من فضلك" وها هو سلطان يتكلم العربية لانه من إحدى دول الخليج.

كان سلطان يعاني من زكام حاد، ولكن عندما سمعنا نتكلم لغته، انفرج صدره هذا ما شعرته دون معرفة السبب، وما أن توقفت الحافلة أمام نافورة رائعة الجمال مطلة على روما التي تشبه متحفاً مفتوحاً وبالمجان حتى تأهب سلطان وترجل من الحافلة وتتبع خطانا وما أن انتهينا من التقاط الصور وبعد أن متعنا نظرنا بتلك المناظر الخلابة عدنا أدراجنا وعاد معنا سلطان.

ولكن ما هي قصة سلطان ولماذا لم يكن في محطة الفاتيكان؟

بعد التحية والتعارف السريع سألنا سلطان، هل أعجبك الفاتيكان فأجاب: "لم أشاهد شيئاً لا الفاتيكان ولا من يحزنون"، فتعجبت من جوابه وسألته: "لم أفهم، لماذا؟ هل اخترت محطة أخرى؟"، قال: "يا بنت الحلال لم أترجل من الحافلة منذ ان انطلقت بنا من المرفأ البعيد عن المدينة منذ الصباح الباكر".

وهنا أثارني الجواب وجعلني متشوقة لمعرفة قصة سلطان، فتبين لاحقاً أنه من بين ركاب الباخرة ذاتها التي اخترناها والتي انطلقت من ميناء برشلونة، ولكن سلطان جاء لوحده بعدما اعتذر صديقه عن عدم المجيء في اللحظة الاخيرة وشرح سلطان بأنه خاف من أن يضل طريقه في الفاتيكان وفي روما وأرعبته الفكرة خاصة وأنه لا يعرف اسم الباخرة ولا حتى اسم المرفأ الذي استقللنا الحافلة منه. (للاشارة فقط سلطان في أواخر الثلاثينات من العمر).

وعندما توقفنا عند محطة أخرى في روما لم يفارقنا سلطان الذي كان يتضور جوعاً، كيف لا بعدما لف روما من شمالها الى جنوبها وذهب في الحافلة الى المطار لتوصيل بعض الركاب وانتظر حتى عودة السائق من استراحته؟ فطلب منا التوقف في مكان لتناول الغداء وهكذا حصل.

والآن العبرة من قصة سلطان هو أن المقولة الشهيرة التي كنت اسمعها عندما كنت صغيرة "ذهب الى الفاتيكان ولم ير البابا" لم أكن أفهمها في ذلك الوقت ولكن اليوم أؤمن بها وأقول بأن سلطان أفضل من يمثل تلك العبارة ولكنه ليس فقط لم ير الفاتيكان إنما لم ير حتى روما ولم ير شيئاً لانه يخاف من أن يضيع في مدينة غريبة عليه.

والسؤال هنا ما فائدة السفر إذا لم نكن نحب المعرفة والتعرف على مدن جديدة وعلى ثقافات قديمة والاستفادة منها، ومع توفر الهواتف الذكية والانترنت لا يمكن أن يضل السائح طريقه ولو حتى كان في المريخ.

في النهاية أعتذر منك يا سلطان ولكن أنصحك بعدم السفر، فأنت ولدت لتراوح مكانك وتأكل البيتزا في بلدك العربي لأنه حتى الرومان لم يفلحوا ولم ينجحوا بإقناعك بأن بيتزا روما هي الافضل.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة